-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تشخيص‮ “‬التوحّد‮” ‬في‮ ‬السلطة والدولة

حبيب راشدين
  • 3640
  • 6
تشخيص‮ “‬التوحّد‮” ‬في‮ ‬السلطة والدولة

ليست السلطة الفلسطينية هي‮ ‬السلطة العربية الوحيدة التي‮ ‬ليس لها دولة،‮ ‬فقد كشف الربيع العربي‮ ‬أن شعوبنا كانت في‮ ‬عهدة سلط ورثت جغرافية بشرية عن تقسيمات‮ “‬سايكس بيكو‮” ‬وحركة تصفية الاستعمار،‮ ‬فاجتهدت بأدوات فرض الأمر الواقع لمنع قيام الدولة،‮ ‬وحيث وجد كيان جنيني‮ ‬للدولة سارعت‮ “‬سلطة الأمر الواقع‮” ‬إلى تنفيذ ما‮ ‬يشبه عملية‮ “‬الإحلال‮” ‬عند الصوفية،‮ ‬لتصبح السلطة هي‮ ‬الدولة،‮ ‬والدولة هي‮ ‬السلطة،‮ ‬كما كان‮ ‬يقول لويس الرابع عشر‮.‬

وحين رفع شعار‮ “‬الشعب‮ ‬يريد إسقاط النظام‮” ‬لم تكن الشعوب تعي‮ ‬أن إسقاط النظم بترحيل من بيده السلطة،‮ ‬سيترتب عنه بالضرورة إسقاط الدول،‮ ‬وأن التعويل على المسارات الانتخابية لن‮ ‬يفي‮ ‬سوى بغرض واحد،‮ ‬هو استبدال سلطة بسلطة‮ ‬غير معنية ببناء الدولة،‮ ‬لأن الديمقراطية هي‮ “‬أفضل الممكن‮” ‬لتحقيق التداول على السلطة،‮ ‬متى سبقها إجماعٌ‮ ‬وطني‮ ‬على بناء دولة المؤسسات المالكة لـ”السلطات الملكية‮” ‬المؤهَّلة لخدمة النخب المتداولة عليها بالقانون والقانون وحده‮.‬

‭ ‬ومنذ بداية التعددية في‮ ‬الجزائر لم تتقدم النُّخب السياسية على الضفتين بمبادرة واحدة تطرح بجدية مشروعا توافقيا لبناء إجماع وطني‮ ‬على المؤسسات التي‮ ‬تضمن استمرار بُنية الدولة وخدماتها كيفما كانت مسارات صناعة السلطة،‮ ‬وتكون محمية بالدستور والقانون من تغوّل الحكومات الذي‮ ‬ليس هو حكرا على نظم الاستبداد‮. ‬

وقد‮ ‬يشفع للنخب السياسية،‮ ‬أن دستور‮ ‬89‮ ‬قد قفز على هذا الاستحقاق،‮ ‬وحرق المراحل،‮ ‬بتدبير توليد تعددية سياسية من الفراغ،‮ ‬شُغلت بالتقاتل على الحكم في‮ ‬دولة‮ ‬غير مكتملة البناء،‮ ‬كان قد دمغها الفكر الواحد في‮ ‬العمق،‮ ‬وتوغلت فيها مكونات‮ “‬سلطة الأمر الواقع‮” ‬الناشئة بعد الاستقلال،‮ ‬لتصنع‮ “‬الدولة العميقة‮” ‬التي‮ ‬لا‮ ‬يغيّر طبيعتَها لا انقلابٌ‮ ‬من الداخل،‮ ‬ولا مشاغبة بالشارع تسوّق بمفردات الثورة،‮ ‬ولا مسارات انتخابية تدعي‮ ‬التغيير السلمي‮.‬

إصرار جانب من المعارضة اليوم على تسويق أسطورة إحداث التغيير بترحيل الرئيس بتفعيل المادة‮ ‬88‮ ‬من الدستور،‮ ‬وهي‮ ‬لا تملك أدوات تفعيلها،‮ ‬لا‮ ‬يختلف عن أسطورة إحداث التغيير بمسارات دستور‮ ‬89‮ ‬حتى حين تسلم من العبث والتزوير،‮ ‬لأن رحيل الرئيس بعد أو قبل نهاية العهدة،‮ ‬لن‮ ‬يغيّر مثقال ذرة من الاستحقاقات الواجبة على النخب الوطنية،‮ ‬في‮ ‬إنتاج توافق‮ ‬يفضي‮ ‬إلى إجماع وطني‮ ‬على طبيعة ومكوّنات الدولة،‮ ‬والتي‮ ‬ينبغي‮ ‬أن نحرص على تأمينها مستقبلا من عملية‮ “‬إحلال السلطة‮” ‬وحصول ما‮ ‬يشبه‮ “‬التوحّد‮” ‬بين السلطة والدولة،‮ ‬المنتِج بالضرورة للاستبداد في‮ ‬نظم الحزب الواحد كما في‮ ‬التعددية‮.‬

منطقُ‮ ‬الأشياء‮ ‬يملي‮ ‬علينا الاقتناع بأنّ‮ ‬رحيل الرئيس اليوم أو‮ ‬غداً،‮ ‬لن‮ ‬يفضي‮ ‬إلى رحيل‮ “‬مركب القوة‮” ‬الذي‮ ‬تشكّل حول فريق الرئيس في‮ ‬ثلاث عشرة سنة من الحكم شبه المطلق،‮ ‬ولن‮ ‬يسمح بتفكيك ميسّر لمكوّنات‮ “‬سلطة الأمر الواقع‮” ‬المتجذرة في‮ ‬الدولة العميقة،‮ ‬أو‮ ‬يفتح المجال أمام إصلاح ما أفسده‮ “‬تحلل‮” ‬الأدوار والمهام الملكية للدولة،‮ ‬وامتزاجها بمهام وحاجات السلطة،‮ ‬حتى أن المواطن لم‮ ‬يعد‮ ‬يميز ـ مثله مثل السلطةـ بين ما هو من نصيب الدولة،‮ ‬وما هو من فعل السلطة،‮ ‬فيحاسب الدولة ويشاغبها على أفعال هي‮ ‬من صنع‮ “‬حلول‮” ‬السلطة في‮ ‬الدولة وإفسادها من الداخل‮.‬

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • احمد البعث

    سيصدر القاضي الفرنسي، إنابة قضائية جديدة للقضاء الجزائري في"مقتل رهبان تيبحرين" ، فيما يخص تحليل العينات المأخوذة من جماجم الرهبان "حيث سيطالب خلال الإنابة القضائية أن يتنقل خبراء فرنسيون للجزائر للتعاون..
    أليست هذه نسخة من ‘‘ضربة المروحة‘‘ سنة 1827؟.
    الفرنسة وتنكيس الرأس بدل ‘‘أرفع رأسك يا بّا‘‘والمذلّة والمهانة بدل‘‘العزة والكرامة‘‘؟.

    ا‘‘

  • فيلسوف

    الحل لمن يسئل عنه يكون بتربية و توعية جيل بأكمله

    على هذه "الشخصيات" و الأحزاب و الجمعيات و المنظمات ....إلخ أن تعمل للمستقبل حتى و إن لم تحظر و ترى النتائج المستقبلية, أقول تعمل على توعية و تربية الجيل الحالي على المبادئ الحميدة و حب الجزائر و الجزائريين و الدفاع عن أمنها و اقتصادها و محيطها و طبيعتها ...... هنالك يكون الأمل و هنالك يصعب على الراشي أن يرشي أحد و على السارق أن يفلت, و على الظالم أن يتمادى في طلمه و على و على ..

    لقد شرح الكاتب الواقع المعاش و لك أيها المواطن أن تتمركز مع من أنت

  • مواطن

    من تمعن في تاريخ الأمم لم يتعرف على بناء دولة واحدة ذات شأن من خلال انتفاضات شعبية ساذجة.هناك فرق شاسع بين التكتلات البشرية والشعوب.إن الشعب يعني التواصل والالتحام بين عناصره وليس تعدد الأسر المتعادية.لقد اعتمدت الشعوب على توجيهات المفكرين والمناضلين الصادقين لإعلان الثورة على الأنظمة المستبدة القائمة.وحين نضجت خطة التغيير بما تستوجب من توعية وبناء وتكوين في الوسط الاجتماعي وجد الشعب زعماء قادرين على مواكبة المطالب وقد خططوا لنجاحها.لذلك نحن تائهون لم تتضح أمامنا الآفاق.إن الجهل يعمي أبصارنا.

  • أبو رضا المعسكري

    ادا كان رحيل الرئيس لا يؤثر في الوضع فجازاك الله اعطينا آلية جديدة نغير بها الأوضاع. يا سي حبيب عندما أقرأ لك أحس أنني أمام رجل لا ينتمي الى هدا الوجود فأنت نرجسي أكثر من اللازم وتتحدث وكأنك تملك الحقيقة المطلقة يمكن أن تقنع بأفكارك دوي التكوين الأكاديمي لكن الواقع يقول أن هناك سلطة تقبع على صدورنا مستغلة الريع لرشوة بعضنا وترك البعض الآخر يهيم ع وجهه لهدا يجب أن نقنع الشعب أن هدا الأمر غير دائم والحل في العمل في كل الميادين بما فيها السيا سة و ليس من العيب السير على خطى الدول التي سبقتنا

  • عبد الحق

    ألا إن في الجزائر "مؤسسة " إذاصلحت نهضت الجزائر وإذا فسدت تقهقرت الجزائر كلها ألا إنها القضاء
    القضاء هو الذي يزن الرئيس والمرؤوس بميزان القانون

  • قاسم

    مثلما وجدت سلطة الامر الواقع وجدت ايضا احزاب الأمر الواقع بأفكار بالية اكل عليها الدهر وديسر ، مما جعل امل التغيير السلمي والانتقال السلس نحو دولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية مستحيل خاصة مع تغول "‬مركب القوة‮" ‬الذي‮ ‬تشكّل حول فريق الرئيس في‮ ‬ثلاث عشرة سنة من الحكم شبه المطلق، لكن رغم ذلك سيدي رحيل الرئيس يفتح بصيص امل نحو غد افضل لأنه ربما سيعري مركب القوة الذي ذكرته امام الرأي العام حيث سيصبح مكشوفا وينجلي ضعفه .. عند ذلك نأمل ان يأخذ الشعب الجزائري المبادرة لحماية دولته ..دعني احلم استاذ