تصفيد الشيطان
الإنسان لا يتكون من بُعد واحد، فهو فيه من الاستعدادات والقوى ما يكفي ويتناسب مع المهمة التي هبط من أجلها إلى الأرض، وفيه من العناصر المشكلة ما يتوافق ويتعامل مع طبيعة الحياة والكون، لأنه يحيا في هذا الكون، فهو يمتلك الجانب الروحي والغرائز الجسدية والقوة العقلية، هكذا خلقه الله سبحانه وتعالى، وبناءً عليه جاء الوحي لإرشاد الإنسان في الحياة.
العبادات فرضها الله سبحانه لتربية الإنسان، وهي تتوافق مع تلك الأبعاد فيه، بتوازن عدل وفقاً لأهمية كل مكون في خلقه ودوره في الحياة، فقد نقل عن رسول الله –صلّى الله عليه وسلم- قوله الشريف: “إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ”: هذا الحديث النبوي من أشهر ما يحدَّث به في رمضان، والتصفيد من: صَفد، يقول لراغب الأصفهاني في المفردات: مقرنين في الأصفاد أي: مشدودين في الأغلال والقيود.
لكن ما هو المغزى الذي يرمي إليه رسول الله – عليه الصلاة والسلام- من قوله تصفيد الشياطين؟ المعنى الذي أفهمه هو: أن القرآن الكريم نص في عدد من الآيات المباركات أن الشيطان عندما يحاول إغواء الإنسان فهو يعتمد على قوى شهوانية مغروسة فيه باعتبارها من لوازم أداء الخلافة في الأرض، وهي الغرائز الجسدية الفطرية التي يعجز عن الإفلات الكامل منها، ولم يؤمر أساساً بالإفلات منها لأن العمل المكلف به لا يكتمل إلا بالتوظيف العدل لها، وبالتالي فإن الشيطان يأتي يعمل على هذه الغرائز وإثارتها وتهييجها، أي العمل على إخراج تلك القوى الجسدية من حالتها الطبيعية المرسومة إلى حالة من الفوضى، والخروج بها من دائرة الوسط العدل إلى الانحراف، ومن الانضباط إلى الانفلات. وبما أن القوة حتى لو تركت لحالها فهي تعمل، ولا تحتاج إلى مزيد من الإثارة، لكنها تعمل حسب منطق الفطرة وتؤدي الوظيفة المرسومة لها على وجهها الأكمل. وبما أنّ الإنسان المسلم يقلل من تغذية الغرائز الجسديّة في رمضان، فإنّ الشيطان يفقد المادة الأساسية التي يستعملها كسلاح في الحرب على الإيمان والدفع بالمؤمن إلى الانحراف والابتعاد عن خالقه، والمواد التي تعتمد عليها هي بالأساس غريزة الأكل التي تساعد الجسد على الحيوية، أي شهوة البطن التي تعتمد عليها شهوة الفرج؛ فالصيام يجفف -إلى حدٍّ كبير- تلك الغرائز ويعيدها إلى مسارها الطبيعي، ومن ثم تنخفض الكمية إلى مستوى يعجز معه الشيطان عن إثارتها، كما يرفد هذا التخفيف من منشطات الجسد بالكثير من التوجيهات التربوية والتعليمية التي لا تتوقف عن تذكير الصائم بالغاية من صيامه، بأن القصد ليس هو الانقطاع عن المأكل والمشرب بقدر ما يشكل هذا الانقطاع سبيلاً إلى إحياء الروح وإعادة التوازن إليها إلى جانب الجسد، ولهذا يصفد الشيطان في رمضان، وتنتصر الروح على الجسد المائل نحو طاعة إبليس.