تطبيق الشريعة الإسلامية بين الإسلاميين والعلمانيين.. دعوةٌ إلى المراجعة
شكّل الصعود الديمقراطي للإسلاميين بعد ثورات الربيع العربي طفرة جدلية حول نزعتهم إلى “تطبيق الشريعة الإسلامية” من جديد، مما حرّك الثورة المضادة وأثار حفيظة شركاء الوطن وفضح دعاوى الديمقراطية والحرية والقيم الإنسانية.
هل يملك الإسلاميون مفهومًا واضحا وإجراءً عمليا لما يسمّونه بـ“تطبيق الشريعة الإسلامية؟” وهل دولنا مقصّرة في الالتزام ببعض الإسلام أم هي غيرُ إسلاميةٍ أصلا حتى يطالبوا بـ“الدولة والخلافة الإسلامية؟” وهل تمكّنوا من أدوات الاجتهاد بأجْرَأة النّصوص العامة وقواعدها الكلّية؟ أم إنه لا بد من المراجعة لبعض مسلّماتهم الصادمة للآخر؟
تاريخ الألفاظ يثبت أن لفظة “الشريعة” في مفهومها القرآني الأصلي تعني الدّين كله، كما قال تعالى: “ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبعها..” (الجاثية: 18)، فهي تعني العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات والحدود، التي يجب اتّباعها جملةً، بعيدا عن عِلل التديّن عند الأمم السابقة كاليهود الذين ذمّهم القرآن الكريم بقوله تعالى: “أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض..” (البقرة:85).
وهذا يعني أن الإسلاميين مخطئون بادّعاء “تعطيل الشريعة” كلّيةً، فأحكامها موزّعة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، والإسلام حاضرٌ بشكلٍ أو بآخر، وهو يقوى ويضعف على مستوى الفرد كما هو على مستوى الدولة ولو بنسبٍ متفاوتة، فالتعطيل جزئيّ ونسبي، ونحن ندعو الناس إلى الالتزام ببعض جوانب النّقص في التديّن المعاصر وليس إلى الدخول في الإسلام من جديد.
وسيكون الرّهان: كيف نتقدم إلى الإسلام، وليس كيف نطالب بالرجوع إليه إلى الوراء “لمن شاء منكم أن يتقدّم أو يتأخر” (المدثر: 37)، فالمنهج النبوي التغييري يقوم على البناء على ما هو موجود، وليس بالنظرية الصّفرية بالهدم “واستئناف الحياة الإسلامية” من جديد.
قال صلى الله عليه وسلّم: “إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق“، فهو يكمّل ويبني على ما هو قائم، حتى ولو على حياةٍ “جاهلية” لا تخلو من قيمٍ إنسانيةٍ فيها، فما بالنا نحن والعمق التاريخي للشعب والدّولة والحضارة يؤصّل للتّديّن فيهم.
وهذا يعني أيضا أنه من الخطإ اختزال الشريعة في جوانبها السياسية وأحكامها القضائية مثل الحدود كالقطع والجلد والرّجم… وغيرها، واختزال مسؤولية تطبيقها على الدولة والحاكم فقط، فكم من أحكامٍ للشريعة تُعطّل على مستوى الأفراد والأسر والمجتمعات، فـ“كلّكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته…”.
كما أنه من السذاجة الوقوع في فخّ الثنائية الخاطئة بين “القانون الشرعي السّماوي” وبين “القانون الوضعي الأرضي“، وادّعاء التناقض الحتمي بينهما، واعتبار كلّ القوانين التي تُسمّى “وضعية” أنها “كُفْرية” لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، حتى ولو لم تصطدم بالنّصوص القطعية أو جاءت محقّقة لمقاصد الشريعة كالحرية وحقوق الإنسان، بحفظ الدّين وحرية المعتقد، وحفظ النّفس وحقن الدّماء، وحفظ المال والممتلكات العامة والخاصة، وحفظ العقل وكرامة الإنسان، وحفظ العرض وقيم المجتمع وخصوصياته الحضارية. فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، والشريعة ليست هي الفقه والقانون بل هي مصدرٌ لهما، فالنّصوص متناهية، أما الحوادث والأقضية فهي غير متناهية، والفتوى تتغير بتغير الزّمان والمكان والحال، وهو ما يعطي للعقل مساحةً للتدخل في النّص والاجتهاد بالتشريع فيما لا نصّ فيه.
لقد سُكن الإسلاميون– في ظل السياق التاريخي المعاصر– بهاجس “الدولة الإسلامية” و“الخلافة الإسلامية” بسبب سقوطها، وكأنّ واجب الوقت يفرض عليهم إعادتها وإلا فإنّ جهنم مثواهم وبئس المصير، ولذلك فإنه يمكن– في ظلّ فقه الواقع المحلي والإقليمي والدولي– تسقيف الطموحات المرعبة للآخر بـ“الدولة الدينية” في نظر العلمانيين بحلٍّ توفيقي كـ“كلمة سواء“، وهي في واقعنا الجزائري ما حسمه مجاهدونا وشهداؤنا في بيان أول نوفمبر بـ“الدولة المدنية (الديمقراطية الاجتماعية) في إطار المبادئ الإسلامية“.
إن الواقع التاريخي يثبت أن الدولة الإسلامية بعد الخلافة الراشدة عرفت مدًّا وجزرا، قُربا وبُعدا في تطبيق الشريعة، وهي ليست بالمثالية الماضوية التي نتصوّرها من الملوك والأمراء والسلاطين الذين تعاقبوا عليها.
وبالمقابل، فإنه يجب على العلمانيين عندنا أن يفقهوا قولَ الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السّلم كافة..” (البقرة:208)، أي ادخلوا في جميع شرائع وشعائر الإسلام جميعا، وهو ما يعني عدم اختزال الشريعة في العقيدة والعبادة كعلاقةٍ فرديةٍ وخاصةٍ بين العبد وربّه فقط، دون الأخلاق والمعاملات والتشريعات في الاقتصاد والسياسة والاجتماع ومختلف جوانب الحياة، وعدم اختزالها في المفهوم الغربي لها، والذي يسجنها في جزءٍ منها وهو الحدود كالقتل والقطع والرّجم والصّلب، وتصويرها بأنها “قاسية” و“وحشية” يجعلها رجعيةً لا تليق بحرية وحقوق الإنسان، واعتبارها– كلّها– غيرَ صالحةٍ للتطبيق في الحياة المدنية المعاصرة، مع أن الجنايات والحدود في الشريعة الإسلامية قد لا تساوي 05 ٪ منها، مع ما يُحاط بها من التشديد في إثباتها وتنفيذ أحكامها، ومنها قاعدة “درء الحدود بالشبهات“، ما يجعل هذه الحدود ردعية أكثر منها عقابية، وهي بالاستقراء التاريخي قليلة التطبيق.
كما أنه يجب على العلمانيين أن تكون لديهم السيادة الوطنية والاستقلالية في المفاهيم وعدم استيراد مفهوم العلمانية الغربية، التي تأسّست على أنقاض صراع الدّين (الكنيسة) مع العلم والعقل، ومحاولة إسقاط ذلك على الإسلام، فلا يوجد دينٌ يحترم العقل ويمجّد العلم ويرفع من درجات العلماء مثله.
كما أنّ مفهوم العلمانية الغربية بفصل الدّين المسيحي المحرّف عن الدولة لا ينطبق على فصل الدّين الإسلامي الصحيح عن الدولة، لأنه ببساطة، الإسلام ليس هو المسيحية.
إنّ الغرب تطوّر عندما تمرّد على المسيحية المنحرِفة وتقدّم في عالم الأسباب بالنظرة العقلية إلى ما قرّبه إلى جوهر الإسلام، وخاصة عند احتكاكه بالحضارة الإسلامية في الأندلس وغيرها، وكادت شمس الإسلام أن تشرق علينا من الغرب، ويجب عليكم أيها العلمانيون أن تقلّدوا الغرب في إيجابياته ولبّه لا في سلبياته وقشوره، ولقد جرّبتم القومية فلم تزدادوا إلا تفرقا، وجرّبتم الاشتراكية فلم تزدادوا إلا تخلّفا، وتجرّبون الآن الرأسمالية المتوحشة ولن تزدادوا بها إلا فقرا، وجرّبتم مع الأنظمة العربية منذ عقودٍ إقصاءَ الإسلام من الحياة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية فلم تحقّقوا لنا شيئا.