-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تفسير سورة النّاس … ناصية الشّيطان بيد خالقه

أبو جرة سلطاني
  • 883
  • 1
تفسير سورة النّاس … ناصية الشّيطان بيد خالقه

إضافة كلمة “الناس” إلى اسم الربّ والملك والإله في كلّ توجيه إلى الاستعاذة بالله من الشيطان الرّجيم، تتضمّن إشارتيْن لطيفتيْن في فهم معنى الاستعاذة:

      الأولى: أنّ معركة الشّيطان موجّهة أساسا لعدوّه الإنسان دون سواه، فالناس هم أعداؤه من يوم رفض إبليس السّجود لآدم -عليه السّلام- إلى قيام السّاعة. ولا فرق عند الشّيطان بين ذكر وأنثى، ولا بين أسود وأبيض، ولا بين عالم وجاهل وفقير وغنيّ.. فكلّهم أبناء آدم وذرّيته، وكلّهم ـ بهذا الانتماء ـ أعداؤه لأنهم أبناء عدوّه التاريخي آدم -عليه السّلام- الذي يعتقد إبليس اللعين أنه كان سببا في طرده من رحمة الله!! ولذلك تشتدّ عداوته على المستقيمين. وعداوته أكبر للسّاجدين. فالسّجود يذكّره ببداية العداوة بينه وبين الإنسان وببواعثها وأسبابها.

والثّانية: أنّ سلاح الإنسان في هذه المعركة الخفيّة هو ذكر الله –جلّ جلاله- ربّه وملكه وإلهه، فإذا غفل عن استخدام أسلحة الذّكر ولم يطلب من ربّه مددا يواجه به عدوّا خفيّا هُزم ولو كان مالكًا قنبلة ذريّة. فالشّيطان تقتله حصاة الرّجم في منًى ولا يتأثّر برجم الصّواريخ. ويتولى هاربا كلّما سمع الأذان. أما إذا المسلم ساجدا اعتزل باكيا يلوم نفسه أنه أُمِر بالسّجود ففسق عن أمر ربّه فله النار. وأُمر ابن آدم بالسّجود فأتمر فله الجنّة.

ذكرُ الله كثيرا هو أفتك الأسلحة المضادّة للشّياطين، وأكثر الأسلحة نجاعة لإنهاء وسوستها والقضاء على كلّ ما يهزّ الثّقة بالنّفس ويزرع في القلب الشّكوك والظّنون والأوهام وخواطر الشرّ.. ويعكّر مزاج الإنسان فتراه حزينا مكفهرّا قانطا يائسا متبرّما من نعم الحياة كلّها مرتابا

في كلّ ما حوله.. وكلها من ثمرات وسوسة الشّياطين. يقول أحد الأخصّائيين النّفسيّين: عملت نصف قرن في عيادة الأمراض النّفسيّة لم يزرني قطّ حافظٌ لكتاب الله. قلت: لأنّ سلاح مقاومة الوساوس ليس نظريات فرُويْد ويونغ وهورني وسيلفانس.. وإنما هو كلام الله المبين. فلا سلطان للشّياطين على من توكّلوا عل الله حقّ توكّله: ((إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)) (النّحل: 99). أما الغافلون عن ذكر الله فمزارع خصبة للشياطين: “إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ” النّحل: 100. فثق في من قال: ((إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا)) (الإسراء: 65).

شرّ الشّيطان، الذي ينفثه في صدور الناس، يتجاوز حديث النّفس عن الأمر والنّهي والفعل والتّرْك، وعن العزيمة والرّخصة، وعن الإدراك والانفعال.. إلى النّزوع العازم على اقتراف المعاصي في الخلوات ثمّ إعلانها في الجلوات، والتّفاخر بها: “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ” المائدة: 91. فإذا آلف الموسوَس له لذّة المعصيّة وأرخى أذنه لشيطانه قذف به الوسواس الخنّاس إلى هوّة المعصيّة كيفما كانت، ويظلّ له ناصحا يزين له طريق الغواية حتّى يقذف به ـ جيفة قذرة ـ من زاويّة الدّار إلى هاويّة النار.

ذلك “دين إبليس” الذي لم يكتمه في نفسه، ولم يخفه عن آدم -عليه السّلام- وذرّيته: ((قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) (الأعراف: 16/17)، وفي تدقيق معنى الغواية وتحديد الأطراف المستهدفة بها وتعيين أدواتها ومسرحها.. كشف إبليس عن مخطّطه بوضوح: ((قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)) (الحجْر: 39)، غايته نشر الغواية في الأرض كلّها، وإشاعتها بين الناس جميعا، إلاّ من اعتصم بالله، أو استخلصه الله بخالصة الاصطفاء والرّسالة والنّبوّة.

عالج كثير من علماء الإسلام مسألة الجنّ والشّياطين، في معرض الحديث عن الإيمان بالغيب. ومنهم من خصّ تلبيسات إبليس ببحث قيّم وعلم نافع مفيد. وتحدّثوا بإسهاب عن عالم الجنّ والشّياطين، وجعلوه موضوع عقيدة وليس تفريعًا لمسائل ثقافيّة ولا هو من نافلة الأقوال في علم الغيب، بل هو من أسس العقيدة ومن أصولها وثوابتها. فالتّحذير من غواية إبليس ومن وساوس الشّياطين ليس “ميتافيزيقا” ولا بسيكوباتيّا ولا ميثولوجيا.. إنما هو حديث في صميم ما جاء به القرآن المجيد، وتكرّر ذكرة ثمان وثلاثين ومائة مرّة (إبليس إحدى عشر مرة، والجنّ تسع وثلاثين مرة، والشّياطين ثمان وثمانين مرة) وحذّر الناس من ضلالها وشرورها ونفثها ونغزها ووسوساتها واحتناكها وغواياتها وفتنها وزينتها وزخارفها وخذلانها وتزيينها وخطواتها وغررها وسعيها للوقيعة بين الانس.. والنّتيجة التي يسعى الوسواس الخنّاس إلى تحقيقها من وراء كلّ هذا الجهد المرهق.

مبلغ علم الشّيطان تكثيرُ سواد أهل النار: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ )) (فاطر: 6). ففي طاعته ـ في أيّ جزئيّة ـ معصيّةٌ لله –جلّ جلاله-. وفي اتباع أيّ خطوة من خطواته مخالفة لمنهج السنّة. وفي اتّباعه لأقصر مسافة ردّةٌ

عن الحقّ في المسافة المقطوعة معه، وفي رفقته. والشّيطان لا يقبل بأقلّ من “معصيّة القمّة”؛ وهي الشّرك بالله والضّلال البعيد الذي يأمن فيه على أتباعه من الإنس ألاّ يعودوا إلى طريق الله تعالى أبدا، ولا يفكّر أحدٌ منهم في التّوبة: ((وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)) (النّساء: 60). بعيدا عن الله الذي طرده من رحمته من أجل أبينا آدم -عليه السّلام-. بعيدا عن ذكر الله. بعيدا عن المساجد والصّلوات والذّكر..

ولكنّ كثيرا من ذريّة آدم عاقّون بتركهم دين أبيهم واتّباعهم إبليس ورضاهم بأن يكونوا أعوانا للشياطين ليضلّوهم عن صراط الله المستقيم ضلالا بعيدا، فإذا أرادوا الرّجوع بعدت بينهم وبين الإنابة الشُقّة. وذلك هو الضّلال البعيد. يبدأ بالوسوسة وبخطرات النّفس، وباتباع خطوات الشّياطين.. وخطوة بعد خطوة يجد الإنسان نفسه عضوا ـ كامل العضويّة ـ في حزب الشّيطان، وبينه وبين طاعة الله فجوة يصعب ردمها ويستحيل القفز عليها إلاّ بتوبة نصوح يعزم التائب على إنفاذ شروطها الخمسة المعلومة: ندامة عمّا مضى في وى اللذّات. وإقلاع عن الحاضر (استقالة من حزب الشّيطان). وردّ المظالم، في حدود الممكن والمقدور عليه. وهجرة أصحاب السّوء وأماكن السّوء وذكريات السّوء.. وبيان فساد ما كان في صحبة الشّيطان.

فلا سبيل أمام الإنسان سوى الالتجاء إلى الله –جلّ جلاله- طلبًا للحماية من الشّرور التي تنبع من داخل النّفس، وهي أخطر الشّرور وأكثرها إهانةً لكرامة الإنسان، وإهدارًا لمقوّماته، وعبثا بكينونته البشريّة: “الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” النّاس: 5، بتخابر من داخل القلب، وهو “مُركّب السرّ” في الإنسان، بمحاولة نقش الضّلال والفساد والغواية.. في صُلب “العلبة السّوداء” التي هي القلب الذي في الصّدر. وفي المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كله وبفسادها يفسد الجسد كلّه. وهذا هو مكمن الخطر في هذه المعركة.

شاء الله –جلّ جلاله- اختبار النّاس بخلق الشياطين فتنة لهم، ليخرج ما بأنفسهم من شهوات، فما من أحد إلاّ وله شيطان يحاول إضلاله وإغواءه وجرّه إلى مربّع الضّلال ودوائر الفساد. والمعصوم من عصمه الله تعالى، وإلاّ فلكلّ أنسيّ قرينه من الجنّ. قال ابن مسعود: قال رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم-: “ما منكم من أحد إلاّ وُكّل به قرينه من الجنّ وقرينه من الملائكة”. قالوا: وإيّاك يا رسول الله؟ قال: “وإيّايْ، إلاّ أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلاّ بخير”. تفسيرًا لقوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوشَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)) (الأنعام: 112).

يتبع…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • جلال

    الفهم المسطح للدين هو الذي يجب التحذير منه ,علينا إعادة النظر في كثير من المفاهيم المغلوطة والأقوال والتقولات ولا نفسر (ن والقلم ) إن (ن) هي حوت, لنركز أكثر على “الأخلاق الاجتماعية”، مثل احترام القانون والإخلاص في العمل، واحترام الملكية العامة، وإستيفاء المكيال والميزان ورفض الرشوة والفساد والمحسوبية والواسطة، والتزام الموضوعية والإنصاف والإتقان في التوظيف والتصنيع، إلخ, وهي الأخلاق الأهم للاستقرار والتطور والبقاء في عالم اليوم وبهذا نهزم الشيطان وجنوده من الجن والإنس وليس برمي جمرات نعتقد إنها تقتله فلو كان ذلك كذلك بهذا المفهوم لأنتهينا منه منذ زمن