-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رحلات عائلية تنتهي بمآس

تكرار حوادث الحافلات في الجزائر… مسؤولية الجميع

نادية سليماني
  • 267
  • 0
تكرار حوادث الحافلات في الجزائر… مسؤولية الجميع
ح.م
تعبيرية

لم يكن ركاب الحافلة المتجهة من العلمة إلى بومرداس يعتقدون أن الرحلة التي خططوا لها منذ أيام، هربا من حرارة الصيف للاستمتاع بزرقة البحر، ستنتهي بمشهد مأساوي يهز الجزائر. بعدما خرجوا حاملين حقائبهم وأحلام أطفالهم بقضاء يوم من الراحة والترفيه، لكن الحافلة انحرفت عن مسارها، لتخلف واحدة من أفجع الحوادث التي عرفها موسم الاصطياف الحالي، بعدما أودت بحياة 27 شخصا وأصابت عددا آخر بجروح متفاوتة. بل إن غالبية المتوفين من عائلات واحدة، وهو ما ضاعف المأساة والحزن.
فاجعة الجمعة، ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من حوادث الحافلات، التي تتكرر بشكل لافت، خاصة خلال فصل الصيف، حين ترتفع وتيرة الرحلات العائلية نحو الشواطئ والولايات الساحلية. ومع كل حادث، يعود السؤال ذاته، لمَ تستمر هذه المآسي رغم حملات التوعية وتشديد العقوبات؟
وتجمع مختلف الإحصائيات الصادرة عن مصالح الأمن والدرك الوطني، التي حققت في أسباب حوادث الحافلات السابقة، التي سببت بدورها مجازر مرورية، على أن العامل البشري يبقى السبب الرئيسي في غالبية حوادث المرور، حيث تتصدر السرعة المفرطة قائمة المخالفات المؤدية إلى الحوادث المميتة، تليها التجاوزات الخطيرة، وعدم احترام مسافة الأمان، والإرهاق، واستعمال الهاتف في أثناء القيادة.

العامل البشري… السبب الأول
وفي حالة الحافلات، تصبح نتائج أي خطأ أكثر كارثية، لأنها تنقل عشرات الركاب دفعة واحدة. فمجرد فقدان السائق السيطرة على المركبة بسبب السرعة أو الإرهاق قد يحولها إلى كتلة حديدية تحصد الأرواح في ثوان معدودة.
ويؤكد مختصون في السلامة المرورية أن كثيرا من سائقي الحافلات يقودون لساعات طويلة دون الحصول على فترات راحة كافية، بينما يرضخ بعضهم لضغط أصحاب الحافلات أو منظمي الرحلات الذين يطالبون بالوصول في أسرع وقت، ما يدفعهم إلى تجاوز السرعات القانونية والمجازفة بحياة الركاب.

فرحة الرحلة تنسي الجميع قواعد السلامة
وكما أنه خلال الرحلات العائلية، ينشغل الجميع بأجواء الترفيه، فتغيب أحيانا أبسط قواعد السلامة. فكثير من المسافرين لا يهتمون بمعرفة حالة الحافلة قبل الانطلاق، ولا يسألون عن كفاءة السائق أو مدة راحته، كما يتسامح البعض مع الاكتظاظ أو تحميل الأمتعة بشكل غير آمن.
بل إن بعض الركاب يترددون في مطالبة السائق بتخفيف السرعة أو التوقف للراحة، رغم شعورهم بالخطر، اعتقادا منهم أن ذلك قد يفسد أجواء الرحلة أو يؤخر الوصول.
ويرى مختصون أن ثقافة السلامة المرورية لا تقتصر على السائق وحده، بل تشمل أيضا المسافر، الذي يجب أن يتحول إلى شريك في الوقاية، من خلال رفض أي سلوك يشكل خطرا على حياته وحياة الآخرين.

الأعطاب التقنية والطرقات… عوامل تزيد من الخطر
ورغم أن العامل البشري يبقى السبب الأول، إلا أن الأعطاب التقنية لا تزال تسهم في وقوع عدد معتبر من الحوادث، خاصة عندما يتعلق الأمر بحافلات قديمة تفتقر إلى الصيانة الدورية، أو تعاني من خلل في المكابح أو الإطارات أو نظام التوجيه.
كما أن بعض الطرقات، خاصة الجبلية أو التي تعرف أشغالا أو اهتراء في بعض المقاطع، تزيد من صعوبة التحكم في المركبات الكبيرة، وهو ما يتطلب قيادة أكثر حذرا والتزاما بالسرعات المحددة، لا العكس.
وطرقات أخرى ومنعرجات، معروفة بخطورتها بسبب موقعها الجغرافي، وقد يجهل هذه المعلومة سائقون من ولايات أخرى، فلا يتخذون إجراءات وقائية عند الوصول إليها، وهنا تحل الكارثة.
ويرى خبراء، أن اجتماع السرعة مع خلل تقني أو طريق غير مهيأ يضاعف احتمال وقوع الحوادث ويزيد من خطورتها، لذلك، فإن الوقاية لا يمكن أن تعتمد على عامل واحد فقط.

مسؤولية مشتركة…
وتبقى سلامة الرحلات لا تقع على عاتق السائق وحده، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من أصحاب الحافلات الذين يجب أن يضمنوا الصيانة الدورية لمركباتهم، مرورا بمنظمي الرحلات الذين يتعين عليهم اختيار ناقلين يحترمون شروط السلامة، وصولا إلى أجهزة الرقابة التي يقع على عاتقها تكثيف المراقبة الميدانية وردع المخالفين.
كما يتحمل المسافر جزءا من المسؤولية، من خلال رفض الصعود إلى حافلة تبدو في حالة ميكانيكية سيئة، أو يقودها سائق متهور، وعدم التردد في تنبيهه عند ملاحظة السرعة المفرطة أو أي تصرف قد يعرض حياة الركاب للخطر. وهو ما تؤكد عليه، يوميا، المنصة الإلكترونية التابعة لمصالح الدرك الوطني “طريقي”، بحيث ساهم تبليغ المواطنين عبرها، في الحيلولة دون تسجيل حوادث مرور، بعد تدخل المصالح الأمينة في الوقت المناسب.

نحو ثقافة جديدة للسلامة المرورية
وتكرر المجازر المرورية، يؤكد أن الحل لا يكمن فقط في تشديد العقوبات، بل في ترسيخ ثقافة تجعل السلامة أولوية قبل الانطلاق في أي رحلة. فالحافلة ليست وسيلة نقل عادية، وإنما تحمل عشرات الأرواح، وأي استهتار قد يحول لحظات الفرح إلى مأساة تعيشها عائلات كاملة لسنوات.
ولطالما شدد مختصون في السلامة المرورية، على ضرورة تنظيم دورات تكوين دورية لسائقي النقل الجماعي، وإخضاعهم لفحوص طبية ونفسية منتظمة، واستعمال أجهزة مراقبة السرعة وساعات القيادة، من شأنه أن يحد من الحوادث ويعزز السلامة على الطرقات.
كل صيف يحمل معه آلاف الرحلات نحو البحر والجبال والمنتزهات، لكن ما يفسد فرحة العائلات هو تكرار الأخبار المأساوية عن حوادث الحافلات. وما حدث في رحلة العلمة- بومرداس يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الجميع إلى مراجعة السلوكيات والممارسات التي تسبق كل رحلة.
فالسرعة لا تختصر الوقت بقدر ما قد تختصر العمر، والوصول متأخرا يبقى أفضل ألف مرة من عدم الوصول أبدا. لذلك، فإن احترام قانون المرور، وصيانة الحافلات، ويقظة السائق، ووعي الركاب، تبقى جميعها عناصر لا غنى عنها لضمان أن تعود كل عائلة إلى بيتها محملة بذكريات جميلة، لا بصور الفقد والحزن.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!