-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تهافت الرياضة

عبد الله هوادف
  • 1384
  • 4
تهافت الرياضة

انحصر مفهوم الرياضة إلى حد كبير في المنافسات التي تجري في مختلف التخصصات بصورة دائمة أو متقطعة في شكل ألعاب رياضية. وقد صار لهذه الألعاب ممارسون ومشجعون وممولون ومتابعون وأجهزة إدارية ومحللون حتى. باختصار صارت “الرياضة” اليوم صناعة قائمة بذاتها، مع أبعاد تجارية ومالية وإعلامية ضخمة (أكثر من 400 مليار يورو سنويا لكرة القدم وحدها)، وتخطى الشغف بها الصور الأخرى لاهتمامات الانسان المعاصر المقولب في نمط استهلاكي بليد، ضمن ما يسمى عادة بمجالات الترفيه (الموسيقى والسينما والتلفزيون والموضة)، وأضحت متابعة المستجدات الحاصلة في هذه الميادين الشغل الشاغل لأعداد متزايدة من الناس.

نظريا، الهدف الأساسي من ممارسة الرياضة هو الحصول على جسم سليم وقوي، يتيح لصاحبه مواجهة أعباء الحياة الجسدية باقتدار، وهذا الهدف يتحقق بممارسة التمارين البدنية بمختلف أشكالها وأسمائها، وليس بالاستلقاء على أريكة ومتابعة أخبار “الألعاب الرياضية”.وقد صار من المألوف أن تجد من يعرف نفسه بأنه “رياضي”، وكل ما في الأمر أنه بالإضافة لارتدائه ملابس رياضية مقلدة،يقضي سحابة نهاره في متابعة أخبار النوادي واللاعبين ونتائج المباريات، في الوقت الذي يحاجج كرشه البارز وظهره المحدودب وقوامه اللامتناسق بأنه أبعد الخلق عن الرياضة. كما ترى صحفنا وقنواتنا حافلة بمساحات واسعة للحديث عن الرياضة ومتابعة نتائجها، وتضج المقاهي والساحات (ولكن أيضا الادارات والمؤسسات التعليمية) بلغط كبير واستقطاب حاد بين (الأربعين مليون مدرب) حول تكتيكات اللعب وتنبؤات الفوز والخسارة وأجور اللاعبين وعلاواتهم وغير ذلك، لكنك في المقابل لن ترى سوى أجساد مترهلة وأبدان منهكة، بحيث يخيل إليك أن البلد كلها في حالة عجز بدني معلن.

إن المفهوم القاصر للرياضة، والسياسات المترتبة عنه، جلب علينا الكثير من الوبال، فمع أننا نتبجح كثيرا بالنسبة المعتبرة للشباب من بين مجموع السكان (والتي ليست بالمناسبةذلك الرقم الخالد -75%-)، إلا أننا في المقابل عاجزون عن تبوء مكانة لائقة بين الأمم الرياضية، والتي هي، كما في حالة الولايات المتحدة والصين، أقل منا شبابا بكثير.

وعلى ذكر هاتين الدولتين التين تهيمنان على التصنيف السنوي لأفضل الأمم الرياضية في العالم، قياسا إلى عدد الميداليات التي تتحصل عليها كل دولة في الالعاب الاولمبية وبطولات العالم في عدد كبير من الرياضات، تشير الاحصاءات إلى أن 50 مليون من الامريكيين يمارسون رياضة العدو مرتين على الأقل أسبوعيا،منهم 12 مليون يداومون عليها يوميا. كما يمارس نصف الأمريكيين أنشطة بدنية.وفي الصين يمارس40٪ من السكان ممن تتراوح أعمارهم ما بين7و 70 سنة الرياضة بانتظام،و60٪ من السكان في المناطق الحضرية منخرطون في أنشطة اللياقة البدنية داخل النوادي الرياضية. وقد وضعت الحكومة الصينية في منتصف التسعينيات خطة قومية تستهدف زيادة عدد الصينيين المشاركين فيالتدريباتالبدنية المنتظمة، وبلوغ نسبة 95في المئة من الطلاب الذين يستجيبون للمعايير الرياضية القياسية. وهناكحوالي620 ألف ما بين قاعات رياضية وملاعب في جميع أنحاءالصين، ومعظمها مفتوح للاستخدامعلى نطاق واسعمن قبل الجمهور العام.

أما في حالتنا نحن، ومع أننا ننفق الكثير من المال على القطاع المسمى بالشباب والرياضة، واللذان استقل كل واحد منهما مؤخرا بوزارة خاصة (14 مليار دينار للشباب و26 مليار دينار للرياضة في 2015)، إلا أن أثر هذا الانفاق على الصحة البدنية للشباب وعموم المواطنين بعيد جدا عن التحقق، ومرد ذلك ببساطة هو أننا ننفق على “الألعاب الرياضية” بدل أن نستثمر في صحة المواطنين وسلامتهم البدنية. وغني عن البيان أن جل الأموال الموجهة للقطاع تنتهي في جيوب الممونين والمتعاملين والوسطاء و”المرتزقة” الكثيرين في هذا المجال.

ومن مظاهر الاضطراب الحاصل أن المرافق الرياضية (القليلة)غير مفتوحة في الغالب لعموم الراغبين في ممارسة أنشطة بدنية، ويبقى استغلالها حكرا على المنتسبين لنوادي الألعاب الرياضية، ولا توجد لدينا نوادي حقيقية لتنمية اللياقة البدنية، بحيث يمكن للراغبين الانضمام إليها والاستفادة من خدماتها، كل ما هنالك هو صالات غير مطابقة تضم عددا من التجهيزات الموجهة لتقوية العضلات، من دون توجيه فني محترف، تلعب فيها المنشطات والمكملات الغذائية دورا أكبر من ممارسة التمارين البدنية.

وعوض أن تخصص برامج لتطوير الممارسة الرياضية والأنشطة البدنية على مستوى المؤسسات التعليمية والأحياء السكنية والمدن الصغرى، تذهب جل مخصصات قطاع الرياضة لتغطية مصاريف الاتحادات الرياضية، ونفقات النقل والاطعام والايواء واللباس،وترميم الملاعب التي انتهى تجديدها للتو،  والمكافآت (السخية) لأندية ومنتخبات تخصصت في تحقيق النتائج الهزيلة، والتسبب لأنصارها في الاصابة بجلطات دماغية وسكتات قلبية، أو على الأقل، وفي أحسن الأحوال، بوابل من المقذوفات من أنصار الفرق المنافسة.

إن ترقية النشاطات البدنية وجعلها في صميم السياسة الرياضية عنصر لا ينبغي إغفاله ضمن المجهود العام للتنمية الوطنية، وقد حان الوقت لإعادة الأمور إلى نصابها الحقيقي، وأن توجه أموال القطاع ليستفيد منها عموم الساكنة، أما النتائج الباهرة في المنافسات الرياضية على المستوىالدولي، وإن كانت بشكل متوهم صورة من صور الانجاز القومي، فلا ينبغي أن تكون بأي حال من الاحوال هما سياسيا قوميا، ولا مصرفا تتبدد فيه الثروة العامة للأمة.

* أستاذ جامعي

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • مريم مالكي

    تحليل موفق للموضوع وطرح في وقته امام الهوس الذي يصيب الشباب وتضييعهم للوقت في اشياء لا تغني ولا تسمن من جوع وفهمهم الخاطئ للرياضة وممارستها.

  • عبد الغني حجاب

    تحليل موفق دكتور

  • نصرو الجزائري الرياضة ثقافة وصحة

    العمل القاعدي المتين في الرياضة بدءا بالمدرسة الى الاحياء وصولا الى التضاهرات المحلية الى غاية الوطنية و المحافل الدولية عمل مرتبط ببعضه البعض ولا يمكن ان يكون هناك نجاح من لاشيء هدا بالنسبة لمختلف الرياضات الفردية والجماعية والدليل على دالك نجاح اللاعبين المحترفين الدين تكونوا في الخارج في حين تموت المواهب في الداخل كل يوم لانعدام الاحترافية وحتى اللاعب المحلي الموهوب مردوده قليل مقابل المحترف والفرق بينهما شاسع ادن لامفر من العمل القاعدي باحتراف ومسؤولية

  • صالح

    طرح في العمق جزاك الله خبرا