تورط لوبان في تعذيب الجزائريين لا يزال يصنع الجدل بفرنسا
لا تزال قضية تبرئة الزعيم التاريخي لليمين المتطرف في فرنسا، جون ماري لوبان، من جريمة التعذيب في الجزائر خلال الحرب التحريرية، محل جدل بفرنسا بسبب عدم إقدام المؤسسة التي أوردت تلك المزاعم، على تصحيح الخطأ الذي وقعت فيه، وذلك بالرغم من تراجع واعتذار المؤرخ بنجامان ستورا، على تصريحاته على القناة الإذاعية العمومية الفرنسية، “فرانس إنتر”.
ودعت المنصة الفرنسية المتخصصة في محاربة جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، إذاعة “فرانس إنتر”، إلى تصويب ما بدر منها، لاسيما أن المؤرخ بنجامان ستورا، الذي صرح لها بصفته ضيفا على القناة، قد صحح ما أدلى به من تصريحات بخصوص تلك القضية، التي خلفت جدلا إعلاميا في فرنسا.
وكتبت المنصة في مقال لها: “لن تتمكن فرنسا من التعامل مع ماضيها الاستعماري إلا عندما لم تصبح الجرائم التي ارتكبها الجنود الفرنسيون في الحرب الجزائرية، وكذا تلك التي ارتكبها غلاة الاستعمار ممثلين في منظمة الجيش السري الإرهابية (OAS)، موضع إنكار، كما هو الحال الآن”، والإشارة هنا إلى مساعي اليمين المتطرف الرامية إلى إعادة الاعتبار لبقايا المنظمة الإرهابية في بعض البلديات التي يديرها منتخبون من حزب مارين لوبان، على غرار بلدية بيربينيون، التي عمدت إلى تكريم واحد من هؤلاء يدعى “بيير سيرجون”.
وشددت المنصة التي يديرها مختصون في تاريخ فرنسا الاستعمارية: “هذه فرصة للتذكير بأن الملاحظات غير الدقيقة التي وردت في “بودكاست” فرنسا إنتر، فيما يتعلق بمشاركة جان ماري لوبان في التعذيب خلال “معركة الجزائر” يجب أن يكون موضوع تصويب واضح من هذه القناة”.
واستندت المنصة في مطالبها إلى بيان مشترك للعديد من المؤرخين، نشروه في 19 مارس الأخير بمناسبة الذكرى الواحد والستين لتوقيع اتفاقيات إيفيان، بصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية، اعتبروا تبرئة جون ماري لوبان من التعذيب في الجزائر خلال الحرب التحريرية، “تكريم أحد أركان منظمة الجيش السري (OAS) هو إضفاء للشرعية على العنصرية”.
ومما جاء في البيان “الحنين للجزائر الفرنسية.. احتفل لويس أليوت، عمدة بربينيان، بهذا التاريخ بافتتاح معرض بعنوان “19 مارس 1962: وهم السلام في الجزائر”. وهذا، بعد بضعة أشهر من قرار تكريم بيير سيرجون بتسمية ساحة في بربينيان باسمه. ومع ذلك، إذا كان بيير سيرجون مسؤولًا منتخبًا في المدينة، فقد كان قبل كل ذلك شخصية رئيسية في منظمة الجيش السري الإرهابية، التي حاولت الحفاظ بالقوة والعنف بقاء الجزائر تحت الوصاية الاستعمارية”.
ومن الموقعين على هذه العريضة مؤرخون مشهورون، منهم بيار أودان نجل المناضل من أجل القضية الجزائرية، موريس أودان، جيل مونسيرون، جورج مورين، بول ماكس مورين، باسكال بلانشار، ألان روسيو، دينيس بيشانشكي، وبنجامان ستورا، وسيلفي ثينو.
وكان بنجامان ستورا قد نفى لـ”فرانس أنتر”، تورط جون ماري لوبان في تعذيب الجزائريين خلال الحرب التحريرية، وبالضبط فيما يعرف بـ”معركة الجزائر”، غير أن إقدام صحيفة “لوموند” على إعادة نشر مقاطع من تحقيق أنجزته الصحافية فلورانس بوجي في بداية الألفية، يوثق تورط لوبان في التعذيب، دفع بنجامان ستورا إلى تصحيح موقفه في مقال بالصحيفة ذاتها.
ومما جاء في توضيح بنجامان ستورا: “الشيء المهم بالنسبة إليّ، أنا لا أقول ما إذا كان جان ماري لوبان قد عذب أم لا. ما أثار اهتمامي هو اختلاق رواية عن نفسه خلال الحرب الجزائرية، وكيف اختلق شخصية لجذب زبائنه الانتخابيين من اليمين المتطرف. ربما أرتكب خطأ، كان يجب علي أن أقول إن لوبان قام بالتعذيب، كما قال الشهود لفلورنس بوجي. فعلت ذلك بحسن نية، كمؤرخ لم ير سجلات مكتوبة”. وأكد أنه تحدث مطولاً مع فلورنس بوجي وأخبرها بأنه ارتكبت خطأ: “لقد عذب لوبان في الجزائر، ولم أكن أعرف قرار المحكمة”.
وعلى الرغم من اعتراف بنجامان ستورا بتعذيب لوبان للجزائريين، إلا أن “فرانس إنتر”، التي استضافت صاحب تقرير 2021، لم تصحح “البودكاست” الذي أوردته، واكتفت كما جاء على لسان فيليب كولين معد العمل الوثائقي بتعديل “البودكاست” فقط، بشكل يبقي على الشك في تورط لوبان في التعذيب، وهو الأمر الذي هي مطالبة اليوم بتصحيحه.