توفير المجلات الثقافية ضرورةٌ معرفيةٌ للجزائريين
في خضم الحيوية الي تشهدها البلاد في قطاعات ومجالات عدة، أود الحديث عن موضوع استراتيجي في مجال الثقافة والفكر والفن والعلم، فكلّها مرتبطة عضويا بوسائط نتاج الفكر وإبداعاته؛ الكتاب مَلِكُها الأزلي، ورصيفُه المجلات والصحف.
حديثي هنا عن المجلات، فقد خلت منها الأكشاك وما تبقى من المكتبات في ربوع الوطن. ونحن من أفقر البلدان العربية إنتاجا للمجلات، ونحن الآن أيضا من أشدها إهمالا لاستيرادها في السنوات الأخيرة منذ ما قبل جائحة كوفيد19.
وقد كانت الجزائر تزخر بالمجلات والصحف في فترتي الاستعمار والاستقلال إصدارا وإنتاجا وإبداعا. وترواح دخول الصحف والمجلات العربية والأجنبية بين الانفتاح الحذر، والواسع والمنحسر، لكننا اليوم نمرّ بغياب كلي عدا بعض الصحف الفرنسية القليلة محدودة التوزيع جغرافيًّا.
خصائص مطالعة واستخدام المجلات الكثيرة:
– تجدد المعلومات والبيانات والإبداعات والمعرفة دوريا في زمن أقصر من زمن الكتاب ورقيا أو إلكترونيا.
– اجتماع عقول ومواهب في إصدار واحد.
. إتاحة المعرفة والعلم بأساليب يسيرة وتبسيطها للرأي العام.
– أثمانها اليسيرة؛ مما يتيح غالبا لعموم القراء اقتناءها ماديا.
– جاذبيتها؛ خاصة منها مجلات الأطفال.
– تعليم المهارات، وتقديم الحلول، والتوجيهات.
تعليم المسلمين وتوعيتهم في أمور دينهم، ومساعداتهم على حلول مشكلاتهم بما يحفظ لشباب المسلمين دينهم واستقرارهم النفسي والعاطفي، واستقامتهم السلوكية.
– الارتباط بالعصر من خلال وسائط معروفة، على قدر من المسؤولية والكفاءة، وهو أمرٌ في غاية الأهمية؛ نظرا لهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على عقول ورغبات الجمهور عالميا في تلقي المعرفة والمعلومة والخبر.
– ثراء الحصيلة اللغوية التي تمثل إحدى أهم روافد التفكير والنقاش والحوار والإبداع.
ويذهب خبراء إلى القول بإكساب المجلات قراءَها مهاراتٍ أفضلَ في الكتابة: إذ أنّ التعرض لمجموعة متنوعة من الأعمال المنشورة والمكتوبة جيدًا له تأثير ملحوظ على كتابات الفرد في مراقبة أساليب كتابة الآخرين من الكتاب والمبدعين الذين يقرأ نتاجهم”What are the advantages of reading magazines? – Quorahttps://www.quora.com › Mar 1, 2018
– أشارت بعض الدراسات العلمية إلى أثر المجلات في تخفيض التواترات النفسية؛ ” … فإن قراءة المجلة تقلل الضغط النفسي لدى الناس، مما يؤثر بشكل مباشر على دماغ الإنسان وصحته؛ فإذا التقطت أي مجلة من اختيارك وقرأت المقال المنشور فيها، فحينئذٍ يتحرّك انتباهك ويذهب التوتر الموجود في العقل بعيدًا؛ حتى تحصل على راحة في تقليل توترك”
Benefits of reading Magazines and Newspaper – Daily Dealttps://www.6ten.co.in Nov 11, 2022
– أشار خبراء إلى دورها في ” تحسين الذاكرة: القراءة، خاصة في فترات قصيرة حول موضوع ما، تتطلب ذاكرة. كل ذاكرة جديدة تقوم بإنشائها تصوغ نقاط تشابك عصبية جديدة (مسارات دماغية) وتقوي تلك الموجودة، مما يساعد على استعادة الذاكرة قصيرة المدى، بالإضافة إلى استقرار الحالة المزاجية “. What are the advantages of reading magazines? I
والمقصود هنا المجلات والصحف كما تشير العبارة البارزة في الفقرة المذكورة.
– كما أشار بعضهم إلى أثرها الإيجابي “بالقدرة على التركيز في عالمنا المليء بالجنون على الإنترنت، يتم جذب الانتباه في اتجاهات مختلفة لا حصر لها في وقت واحد، بينما نقوم بمهامّ متعددة كل يوم. في حين أن هذا ليس سيئًا دائمًا، عندما تقرأ من مجلة، فإن كل انتباهك يتركز على القصة مثلا، يقع باقي العالم بعيدًا، ويمكنك الانغماس في كل التفاصيل التي تستوعبها” المرجع السابق.
ينبغي أن يراعى في مخطط استيراد المجلات جودتها وسمعتها، التنوع الثقافي والمعرفي، العراقة، الانسجام مع ثوابت البلاد والأمة، المساهمة في الوظيفة البنائية: فكريا وذوقيا وسلوكيا وعلميا وأخلاقيا وترفيها هادفا. وأحسب أن إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي تمثل نموذجا راقيا لهذا التوجه من الإصدارات المتنوعة الثرية المرموقة، فمثلا سلسلة كتاب “عالم المعرفة” هي وجبة فكرية معرفية في أعلى مستويات البناء المعرفي والفكري والثقافي، تضمن للمداوم على قراءتها شهريا مستوى فكريا ومعرفيا رفيعا تنوُّعا ومعاصرة وصرامة علمية.
إذن المجلات إحدى الطاقات الحيوية لبعث الحياة والنهضة والتجدد الوطني على طريق الحضارة. لهذا يجب إيلاؤها أقصى العناية في برامج النهضة الوطنية على خطين متوازيين هما:
- خط الإصدار: بوضع مخططات إصدار مجلات وطنية من طرف القطاعين العام {وزارات الثقافة والتعليم والتربية والشؤون الدينية والإعلام والمراكز الثقافية والإسلامية}، وتشجيع مختلف الوزارات على إصدار مجلاتها التي تجمع بين التعريف والترويج لمناشطها وتقديم مواد ثقافية متنوعة بوصفها أسلوبا من أساليب أداء المسؤولية الاجتماعية في شقها الثقافي والمعرفي، ويشمل هذا أيضا الشركات الاقتصادية الكبرى وغيرها.
أما الخواص فكما هو مألوف من صميم نشاط الجمعيات الثقافية وغيرها كالمفكرين والعلماء والأدباء والفنانين الطامحين. واعتماد تحفيزات مادية ومعنوية لذلك وفق معايير علمية وفنية ناجعة.
- خط الاستيراد: يوضَع مخطط استيراد طموح تساهم في إنجازه أيضا المؤسساتُ الرسمية {وزارة الثقافة والإعلام والشؤون الدينية} والقطاع الخاص الذي يريد الاستثمار في هذا المجال، وأحسب أن تتولى المؤسسات الرسمية تنفيذ القسط الأوفر من أداء المهمة أجدى على نحو ما كان عليه الحال منذ الاستقلال. فرصيدها ـــــــ خاصة الثقافة والإعلام ومؤسسات النشر والتوزيع الحكوميةـــــــ وإمكاناتها المادية يمنحانها جدارة تسيير هذا النشاط الحيوي، وتوصيلها إلى مختلف مناحي الوطن الشاسع، وكذا مرافقة الخواص الذين يرغبون في الاستثمار في هذا النشاط.
إذا قَدّر إنجاز مخطط لهذا النشاط أهمية كبرى في استراتيجية الطاقة الثقافية لمستقبل البلاد والأجيال، فقد يكون من الحكمة تدخُّل الدولة بدعمه وفق رؤية تنموية اقتصادية ناجعة، يُبرز أثرها المباشر في تمكين القارئ ماديا من شراء المجلات وإحياء زمن التردد على المكتبات والأكشاك للحصول على الإصدارات في مواعيدها المعروفة.
فمتى تعود الروح الثقافية إلى هذه الأكشاك التي عمّر التبغ أرففها ومصارفها، وخلت من حيوية وطاقة حُرمت منها الأجيال الصاعدة؟
وأشير قبل الختام إلى النقاط الآتية:
- يُراعى في مخطط سياسة هذا النشاط معايير وأولويات استيراد من أهمها: جودة المجلات المستورَدة وسمعتها، التنوع الثقافي والمعرفي، العراقة، الانسجام مع ثوابت البلاد والأمة، المساهمة في الوظيفة البنائية: فكريا وذوقيا وسلوكيا وعلميا وأخلاقيا وترفيها هادفا. وأحسب أن إصدارات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي تمثل نموذجا راقيا لهذا التوجه من الإصدارات المتنوعة الثرية المرموقة، فمثلا سلسلة كتاب “عالم المعرفة” هي وجبة فكرية معرفية في أعلى مستويات البناء المعرفي والفكري والثقافي، تضمن للمداوم على قراءتها شهريا مستوى فكريا ومعرفيا رفيعا تنوُّعا ومعاصرة وصرامة علمية، تقدم لعموم القراء ببراعة ومهارة نقل المعرفة الأكاديمية إلى المعرفة والثقافة العامة الرفيعة.
يلحق بالنماذج أيضا: مجلة “العربي” وإصدارها العلمي {العربي العلم }. أما المجلات الثقافية الإسلامية فتمنحنا وزارة الشرؤون الإسلامية الكويتية مجلتها العريقة {الوعي الإسلامي} وملحقها المجاني {براعم الإيمان} إصدارا ثقافيا إسلاميا معتدلا متنوعا معاصرا في محتويات هادفة.
- التفكير في استخدام المجلات في المناشط التربوية التعليمية، أذكر مثلا أننا في التسعينيات من القرن العشرين فعّلنا مادة العلوم الإسلامية في ثانوية سعدي الصديق بتبسة بنشاط أسميناه {قراءة في كتاب ـــــــــــــــ قراءة في مجلة ــــــ قراءة في شريط…} يقدِّم من خلالها كل تلميذ ملخصا يتناسب مع المستوى وأهداف البرنامج ومحتوياته، فيعرضه في القسم ويدور النقاش حوله، فلمسنا جدواه التربوية والمعرفية والثقافية.