ثقافة العشيرة عند قبيلة الإخوان
عندما ذكرت في مقال سابق أن التقييم بالمعايير المزدوجة لم يعد حكرا على الساسة الغربيين، لم أكن قد اقترفت خطيئة التعميم، وربما كنت أقل جرأة مما ينبغي، وإلا كيف نفهم التعليق الصادر عن حركة “حمس” على الزيارة القصيرة التي قادت الرئيس المصري الجديد إلى الجزائر، وتعبير الحركة عن أسفها وشجبها لاستقبال الجزائر من وصفته بـ “المسؤول الأول على الانقلاب على الرئيس المنتخب في مصر”..
دعونا نذكر قيادة “حمس” أننا بصدد زيارة لرئيس دولة عربية لدولة عربية شقيقة، يشكل تعداد سكانهما نصف تعداد العرب، كان لهما في زمن المرحومين عبد الناصر وبومدين موقع الريادة في العمل العربي المشترك، ويشكلان مع العراق وسورية والسعودية أعمدة رئيسة لأي تطلع جاد يريد إعادة بناء البيت العربي، الذي خرب بحبل من الأمريكان والغرب وحبل من بعض نخب العرب، وأنه كان حريا بالحركة ومن جاراها في انتقاد الزيارة، أن يتأسفوا لاستقبال الجزائر لوزير خارجية أمريكا التي قتلت مليون عراقي، أو يشجبون استقبال الجزائر للرئيس الفرنسي الذي قاد حملة “النيتو” على الأشقاء في ليبيا، وزرع الفتنة والحرب على حدودنا الجنوبية، وعلى حد علمي فإن الجزائر قد استقبلت في زمن مشاركة “حمس” في الحكم عددا لا يحصى من الرؤساء الوافدين على السلطة من انقلابات عسكرية، وكان زعيم حمس ضمن فريق المستقبلين.
ربما يكون قادة “حمس” يراهنون على ضعف ذاكرة الشعوب، وإلا ما كان لحمس أن تحتج على زيارة “العسكري عبد الفتاح السيسي” كما وصفته، لأن الحركة لم تجد في عهد مؤسسها المرحوم نحناح حرجا في زواج المتعة مع “من انقلب على الشرعية في الجزائر” وعاشرتهم لأكثر من عقد من الزمن في البرلمان والحكومة، ولم نسمع أن الحركة، وهي من “عائلة الإخوان” قد انتقدت مشاركة “إخوان” العراق في حكومة جاءت على ظهر الدبابة الأمريكية، أو استعانة “إخوان” ليبيا بحلف “النيتو” ولم تحتج على الأخ مرسي وهو يصف الصهيوني بيريز بالأخ العزيز، أو حين لم يمنع عنه غاز مصر، ولم يطرد سفيره من القاهرة.
أي عربي مسلم عاقل، حريص على إعادة ترميم البيت العربي: “قلب العالم الإسلامي” المستهدف منذ الحملة الصليبية الأولى، كان سيسعد بهذه الزيارة التي قد تعيد بناء الجسور بين بلدين عربيين كبيرين، هما على رأس قائمة الدول العربية المستهدفة بالتفكيك، كما كان سيسعد بالموقف الخليجي الجديد الداعم للشقيقة مصر، التي كانت بحاجة إلى دعم من أشقائها العرب، سواء في ظل حكم الإخوان أم مع قيادتها الجديدة.
ما لم تلحظه العين القاصرة لقيادة “حمس” ومن شاركها في شجب الزيارة، أن مغانم الجزائر من الزيارة أكبر من مغارمها، لأنها قد توفر فرصة لإعادة تشكيل محور جديد لعمل عربي خليجي مصري جزائري، مؤهل ومطالب بمنع الانهيار التام للمنطقة العربية، في اللحظة التي انتقلت فيها الولايات المتحدة والغرب إلى خطة “ب” البديلة، توكل بموجبها قيادة العرب إلى الثلاثي المرح: الإيراني التركي الصهيوني.