“ثورة على مستوى العالم الإسلامي”.. هذا ما قالته باحثة مغربية بشأن تعديلات مدونة الأسرة!
تحدّثت باحثة مغربية عن مقترحات تعديل مدونة الأسرة التي أثارت جدلا واسعا، بالقول إنها ثورة على مستوى العالم الإسلامي، رغم ما ينتظرها من خطوات أخرى تشريعية.
وبحسب التصريحات التي أدلت بها الحقوقية والباحثة في قضايا النوع الاجتماعي مارية الشرقاوي لصحيفة القدس العربي، فإن المقترحات حملت نسائم تغيير اعتُبر جذرياً، خاصة في مسائل جوهرية تهم وضعية المرأة القانونية والاعتبارية داخل الأسرة.
وأضافت أنها استكمال “لانخراط المغرب منذ ما يفوق ثلاثة عقود في مسلسل إصلاحات تهم المجال القانوني والقضائي قصد إرساء مجتمع ديمقراطي حداثي تصان فيه كرامة الإنسان، المرأة والرجل والطفل”.
وأردفت أن الطريق لا يزال طويلا أمام تجسيدها إذ تنتظرها خطوات أخرى، تتمثل في عرضها على البرلمان المغربي بمجلسيه للمصادقة عليها.
وبرغم أن فقهاء المملكة وجهوا انتقادات حادة فيما يخص بعض البنود التي أكدوا على أنها تقود الأسرة المغربية نحو الدمار الشامل باعتبارها مخالفة للشريعة الإسلامية، أكدت الباحثة أنها “ثورة اصلاحية ومبادرة فريدة من نوعها على مستوى العالم الإسلامي والعربي، واستحقاقاً تاريخياً ناضلت من أجله منظمات وجمعيات نسائية في مرحلة يعرف فيها المغرب انتعاشاً كبيراً في قضايا المرأة”.
وتابعت أن “الاستراحة من النضال الحقوقي غير واردة، والنضال سيستمر حسبها مادام المجتمع يتغير ويتطور موازاة مع تطور المجتمع الدولي”، لافتة إلى أنه “من البديهي أن تتغير المتطلبات بتغير الوقت”.
وبخصوص مدى نجاعة النص القانوني أوضحت أن “المشرّع مهما اجتهد في وضع نص قانوني لتأطير موضوع معين لن تثبت نجاعته من عدمها إلا حين تنزيله وتفعيله على أرض الواقع”.
من جانب آخر تحدثت الشرقاوي بشأن الضجة الحاصلة على عدة مستويات، حيث زعمت خلافا لما يراه الفقهاء أن “مدونة الأسرة والتعديلات المقترحة لم تأت لمناصرة المرأة دوناً عن الرجل، بل هي من أجل أسرة متوازنة تصان حقوقها امرأة ورجلاً وطفلاً”.
وتابعت أن المواد التي أخذت حصة الأسد من النقاش هي التي تحمي المرأة والطفل كالنيابة القانونية للأم المطلقة الحاضنة على أولادها واستمرار حق الحضانة لها حتى بعد زواجها”.
ولم تخف “كأم وكزوجة” ترحيبها بالتعديلات التي تنصف المرأة، “خاصة تلك التي وافق عليها المجلس العلمي الأعلى كتأطير تدبير الأموال المكتسبة أثناء فترة الزوجية مع تثمين عمل الزوجة داخل بيت الزوجية واعتباره مساهمة في تنمية الأموال المكتسبة خلال قيام العلاقة الزوجية”.
وأضافت: “أكيد، أن مشروع مدونة الأسرة (قانون) تدارك مجموعة من الاختلالات والثغرات والعيوب التي شابت مدونة 2004، بحيث جرى اعتماد إصلاحات جوهرية تصان من خلالها حقوق المرأة والرجل وتراعى فيها المصلحة الفضلى للطفل، إذ استجاب لمجموعة من المطالب ناضلنا من أجلها طويلاً كإخراج بيت الزوجية من الإرث، الولاية للمرأة فيما يهم الإجراءات القانونية الخاصة بأطفالها وحق الأم المطلقة في حضانة أطفالها حتى عند زواجها، إلى غير ذلك”.
وتوقفت الشرقاوي عند مسألة إخراج بيت الزوجية من الإرث، واعتبرت اجتهاد المجلس العلمي الأعلى في هذا الموضوع “اجتهاداً ممتازاً”.
وأوضحت أن الإرث بالتعصيب “إشكالية كبيرة عانى منها الآباء والأمهات الذين لم يرزقهم المولى عز وجل بذكر بل فقط بنات، فكانت فكرة الموت تقض مضجعهم كون الإرث بالتعصيب يمنح الحق للعم أو أبناء العمومة في التركة والتي قد تكون أحياناً فقط البيت الذي يؤوي البنات وأمهن، ما قد يجعل مآلهم الشارع”.
لذلك فقد عملت هذه التعديلات حسبها “على حل هذه المعضلة التي عانت منها بعض الأسر ردحاً من الزمن، أضف الى ذلك مسألة الهبة دون شرط الحيازة الذي سيفك شفرة أثقلت كاهل الأسر التي ليس لديها الولد”.
وفيما يخص مسألة شائكة تتمثل في زواج القاصرات، قالت مارية الشرقاوي إنه موضوع “غاية في الأهمية، وكان من بين المواضيع التي استحوذت على حيز كبير من النضال قصد الفصل نهائياً في تزويج القاصرات وجعل الزواج محدداً في ثماني عشرة سنة شمسية كاملة. لكن حسب رأيي، لم يرق التعديل الى سقف مطلبنا واحتفظ بالاستثناء، بحيث جاء في التعديل: يحدد سن الزواج في ثماني عشرة سنة ويمكن استثناء الزواج في سن السابعة عشرة”.
أما عن الطلاق، فأوضحت الباحثة أن “واقع الحال وحسب الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل، نجد التطليق للشقاق يتقدم جل أنواع التطليق الأخرى، وتسلكه شريحة واسعة من الأزواج والزوجات الراغبين في إنهاء العلاقة الزوجية، نظراً لبساطته، بحيث يعفي طالب التطليق للشقاق من تقديم المبررات وراء طلبه، كما أنه يتم إصدار الحكم بالتطليق للشقاق في مدة لا تتجاوز ستة أشهر، عكس الأنواع الأخرى، وأستثني هنا الطلاق الاتفاقي الذي لا يتجاوز إصدار الحكم حوله شهراً واحداً”.
وأشارت الشرقاوي هنا “الى مسألة مهمة جاءت بها التعديلات، وهي تخويل مسطرة الصلح لمؤسسات الوساطة في قضايا الطلاق والتطليق باستثناء الطلاق الاتفاقي، وهذا مطلب ناضلنا كثيراً من أجله في ظل فشل محاكم قضاء الأسرة في مسطرة الصلح لأسباب عديدة، من أهمها تراكم الملفات على قاضي الصلح، ما يجعله لا يمنح حيزاً زمنياً كافياً للقيام بإصلاح ذات البين، وبالتالي فتكليف مؤسسات خارج قضاء محاكم الأسرة تقوم بدور الوساطة كان حلاً ناجعاً لإصلاح ذات البين”.
أما بخصوص مسألة التعدد في الزواج بالنسبة للرجل، فقالت مارية الشرقاوي إن “التعديل بخصوصه كان صريحاً ومحدداً، بالنسبة لحالتين تجيزان للزوج التعدد، وهما حالة عقم الزوجة وحالة مرضها وعدم قدرتها على المعاشرة الزوجية، لكن تمت إضافة جملة فتحت أمامي تساؤلات وتخوفاً من استغلالها بشكل سلبي، وهي (حالات أخرى يقدرها القاضي وفق معايير محددة)”.
وختمت المتحدثة تصريحاتها جازمة بأنها لا يمكنها “الحكم الآن على مدى نجاعة هذه التعديلات من عدمها، فما توصلنا به الآن ليس سوى مشروع، وأمامه مسار آخر، بداية بالأمانة العامة للحكومة ووصولاً إلى قبة البرلمان الذي سيعمل على مناقشته وبعدها المصادقة، أضف إلى ذلك، تبقى آليات التنفيذ والتفعيل لدى محاكم قضاء الأسرة هي الفيصل، فالمشرع مهما اجتهد في وضع نص قانوني يؤطر من خلاله موضوعاً معيناً، لن تثبت نجاعته من عدمها إلا حين تفعيله على أرض الواقع”.
يذكر أن حرب تعليقات شرسة اشتعلت عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب، بعدما كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أبرز التعديلات المقترحة ضمن مراجعة مدونة الأسرة، والتي تضمنت قيودا على الزواج والتعدد وتغييرا متعلقا بالميراث، وما إلى ذلك من البنود المثيرة للجدل.
وهاجم مثقفون وفقهاء بعض التعديلات التي وافق عليها المجلس العلمي رغم مخالفتها لتعاليم الشرع، وما أجمع عليه العلماء المسلمون، بينما استحسنتها رائدات نسويات، ممن وجدن فيها إنصافا للمرأة في مجتمع ذكوري لم يتوان لحظة ومنذ عقود عن سلبها حقوقها، حسب رأيهن.