ثورتنا لم تتوقف حتى تبدأ!
اليوم، هو أول يوم من أيام الربيع، ومازالت رياح “الربيع العربي” تهبّ هنا وهناك، مقتلعة الشجر والحجر وحتى البشر، ومازال ها هنا الجزائريون صامدون واقفون رافضون لمبدأ التدخل الأجنبي، سواء كان باسم الربيع أو الصيف أو الخريف أو الشتاء، فالذي حدث في تونس ومصر، شجّع مختلف الشعوب على استنساخ “الثورة”، لكن الذي جرى بليبيا ويجري بسوريا، أعاد الحسابات ورسم علامات الاستفهام والتعجّب أمام هذه “الثورة”!
مازلنا مساندين للرأي الذي يعتقد أن الثورة التي يُعرف تاريخها قبل اندلاعها، هي ليست ثورة، وأن الثورة التي تستبيح دم أبنائها وأبطالها ونسائها ورجالها، وتغرس بذور الفتنة والتفرقة والقلاقل والاقتتال، ليست ثورة، والثورة التي تستنجد بقوات الناتو ليست ثورة، والثورة التي تستعمل “رانجارسات” المارينز ليست ثورة، والثورة التي تمهّد للاحتلال ليست ثورة، والثورة التي تفتّت الشعب والدولة ليست ثورة، والثورة التي تنتهي ليست ثورة!
سواء كان ربيعا بأزهاره، أو خريفا بـ”صلاحة النوادر”، فمن الضروري البحث عن هذا “الربيع العربي”: عرّابوه ومهندسوه وضحاياه والمستفيدون منه، حتى لا تضيع التضحيات، وحتى لا يتكاثر الأبطال بعد انتهاء المعركة، وحتى يولد التغيير والإصلاح غير مشوّه أو ملطخ أو مستنسخ من أجسام غريبة لا علاقة للشعوب العربية والإسلامية بها!
بعد عام من “الثورات” في تونس ومصر وليبيا وسوريا: ألا ينبغي البحث عمن استفاد ومن قبض الريح؟، ماذا تغيّر في هذه البلدان الشقيقة؟، هل حقق “الربيع العربي” أهدافه هناك؟، هل تحققت للغلابى أحلامهم؟، هل تابت الحكومات والأنظمة؟، هل ذابت الحڤرة والمحسوبية والبيروقراطية، هل انتهى الفساد، هل سُجن وحوسب وعوقب كل المتورطين والمتواطئين والمفسدين من الحاشية وبطانة السوء؟.. أم أن سنة تبقى غير كافية للتقييم والجرد والإحصاء وللتغيير والإصلاح أيضا؟
لا يُمكن لأطراف مشبوهة، أن تصدّر للجزائريين فتاوى على الهوى بشأن التغيير، فهي نفس الأطراف التي صدّرت لنا فتاوى الذبح وقطع الرؤوس وارتكاب المجازر في حقّ الأبرياء والعزل باسم “الجهاد”، وهي نفسها التي تسلّت وتمتعت بمشاهد الدمار والخراب، وهي نفسها أيضا التي حرّضت على مقاطعة بلد الشهداء والفرار منه ورفضت تقديم يد المساعدة لشعب في خطر!
ليس من باب النرجسية أو التكبّر والتجبّر، عندما يُخاطب الجزائري هؤلاء وأولئك، ويقول لهم بالفم المليان: لقد سبقناكم للثورات والتغيير، فقد تمّ تغيير عدّة رؤساء جمهورية وتغيير عشرات الحكومات، ومئات الوزراء والولاة والمسؤولين، وعدّة برلمانات، وعشرات المجالس المحلية المنتخبة، وآلاف المنتخبين والأميار، وتمّ أيضا تفجير ثورات ضد الحزب الواحد وضد الإرهاب وضد الفساد وضد البيروقراطية، ومازالت الثورة مستمرة للتغيير من الحسن إلى الأحسن وبأياد جزائرية وفقط!
الثورة في الجزائر لم تتوقف حتى تبدأ، فيكاد يتفق الجميع، أن في الجزائر ليس هناك طابوهات ولا خطوطا حمراء، فحتى قبل ميلاد التعددية والديمقراطية اثر “ثورة” 5 أكتوبر 88، كان النقد والانتقاد وحرية “تشراك الفم” في المقاهي والبيوت والشوارع والأسواق وداخل المنظمات ودواليب الدولة وهياكل الحزب الواحد، وفي كل مكان، وهو ما لم يتوفر عبر دول أدعياء “الثورة” إلى غاية اليوم!
هذا هو الجزائري، أيها العرب والغرب: حرّ وشجاع بطبعه، ثوري بفطرته، يفرّق جيّدا بين عقله وعاطفته، وبين صديقه وعدوه، وبين حليفه وشريكه، ويميّز أيضا بين الثورة و”المؤامرة” وبين الربيع ومطاردة الريع!