ثِقْ بأنّ الله لن يخزيك
لعلّك -أخي الكريم- قرأت وسمعت قصّة بدء نزول الوحي على النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم-، ورأيت كيف أنّ الحبيب المجتبى حينما عاد إلى زوجه الحنون خديجة –رضي الله عنها- وقصّ عليها ما كان من أمر الملَك، قالت: “كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”..
كلمات صادقة أنطق الله بها الصديقة زوج النبي الكريم وأم المؤمنين خديجة.. كلمات تدلّ على عقيدة راسخة استقرّت في قلب امرأة مؤمنة في الأيام الأولى لبعثة النبيّ المصطفى عليه الصلاة والسلام.. كلمات تنضح باليقين، تنزل بردا وسلاما على كلّ قلب يؤمن بأنّ كلّ ما في الكون يسير بتدبير عليم خبير رحيم بخلقه عامّة وبعباده المؤمنين خاصّة، كيف لا وهو القائل سبحانه: ((هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)) (الأحزاب، 43).
لا يخزي الله عبدا مؤمنا تعلّق قلبه بمولاه وأحسن الظنّ به وانتظر الخير والإحسان منه جلّ في علاه.. لا يخذل الله عبدا مؤمنا يطيعه ويخشاه ويعمل الصالحات ويسعى في تقديم العون وإيصال الخير وإسداء النصح لعباد الله.
إنّنا ونحن نعيش في هذا الزّمان الذي طغت فيه الماديات وتعلّقت كثير من القلوب بالمحسوسات والملموسات، في حاجة لأن نغرس في قلوبنا الثقة بالله وحسن الظنّ به سبحانه، بأنّه ما أمرنا بطاعته والاستقامة على دينه إلا لأجل أن يرحمنا في الدّنيا والآخرة، ولأجل أن نسعد في الأولى بدينه وشريعته وفي الأخرى برحمته وفضله.. محال في حقّ العدل سبحانه أن يخذل ويخزي عبدا يسعى في طاعته وطلب رضاه، كيف لا وهو القائل جلّ شأنه: ((مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)).. ربّما يبتلي الله سبحانه عبده المؤمن المستقيم على طاعته ليعلم صدقه وهو العليم سبحانه وليرفع درجته، ثمّ يفرّج عنه ويفتح له أبواب رحماته ويغدق عليه من فضله.
سنينُ الجَهدِ إن طالت ستطوى * لها أمدٌ وللأمد انقضاءُ
لنا بالله آمالٌ وسلوى * وعندَ الله ما خابَ الرّجاءُ
إذا اشتدّت رياحُ اليأس فينا * سيعقب ضيق شدّتها الرخاء
فبعد العتمة الظلماء نورٌ * وطول الليل يعقبه الضياء
أمانينا لها ربٌ كريم * إذا أعطى سيُدهشنا العطاء.
الذي ينقص كثيرا منّا معشر المسلمين هو اليقين والثّقة بالله، وانكسار القلب ولهج اللّسان بدعائه سبحانه.. ما ينقصنا هو أن نغرس في قلوبنا أنّ من اختار الاستقامة على طاعة الله فلن يخيّبه الله أبدا. من اختار أن يسعى في طلب رضا الله فلن يضيّع الله أمله فيه؛ سيكلؤه الله ويحوطه ويرعاه ويدّخر له الخيرات حتى إذا فتح له أبوابها أدهشته عطاياه.
إنّ من أعظم أسباب السعادة في هذه الحياة أن يستشعر العبد المؤمن أنّه يسعى في دنياه وعين الله تكلؤه وترعاه، ((وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا))، وأنّ الله لا يؤخّر عنه خيرا إلا وقد ادّخر له ما هو خير له في الدّنيا والآخرة.
تقول إحدى الصّالحات: بلغت التاسعة عشر من العمر وكنت أكبر أخواتي.. تقدّم لخطبتي كثير من الشباب، وكان نصيبي مع أحد الشباب الطيبين. حددنا موعد الزواج ولكن قدّر الله أن تصاب أمي بجلطة، شلّت بعدها وأصبحت عاجزة عن الكلام والحركة. عكفت على خدمتها. اتفقت مع خطيبي على تأجيل موعد الزواج بسبب ظروف أمي.. استمرت معاناتها فتساءلت في نفسي قائلة: إن أنا تزوجت، فمن سيقوم على شؤونها ويرعاها من بعدي؟ فنذرت أن أعيش حياتي لخدمة أمي وأكرس جهدي لرعايتها وابتغاء مرضاة الله ثمّ مرضاتها. طلبتُ فسخ الخطوبة والطلاق من خطيبي وأعدت إليه المهر. عشت في خدمة أمي حتى تزوجَتْ كل أخواتي اللاتي كنّ أصغر مني . وهكذا تتابعت الأيام والشهور والأعوام حتى بلغتُ سن الخامسة واﻷربعين، وحانت لحظة الفراق، فراق أمي بعد أن انهكها التعب والمرض، وجاءت سكرة الموت بالحق، فقمت ألقّن أمي الشهادة وهي تنازع السّكرات، فنطقت بكلّ جهد وقالت لي: “أبشري يا ابنتي بالجنة بإذن الله. والله لن يضيعكِ الله وسيعوضكِ خيراً”. فارقتْ أمي الحياة. بعدها بعدّة أشهر تقّدم لخطبتي رجل أعمال في الخمسين من عمره، فوافقت وتمّ الزّواج، وأنا اﻵن حامل بثلاثة توائم بفضل الله ونعمته، فالحمد لله الذي عوضني خيراً مما فقدت.
هذه المرأة المؤمنة، اختارت طريق الهداية والصّلاح، وأوقفت سنوات شبابها لرعاية أمّها المريضة راغبة مختارة غير مكرهة، وصبرت على ذلك، فنالت دعوة صالحة من أمّها وفازت بفضل مولاها وخالقها الذي عوّضها خيرا. ((إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين)).
علينا أن نراجع علاقتنا بخالقنا ومولانا، وينظر كلّ واحد منّا في قلبه وحاله؛ هل يحسن الظنّ بربّه الكريم؟ هل يطيعه وهو على يقين أنّه لن يضيّعه ولن يخذله ولن يخزيه؟ أم أنّه ربّما يثق بالمخلوقين أكثر من ثقته بالخالق سبحانه، وربّما يترك طاعة الله خوفا من أن يفوته حظّه من الدّنيا.. إنّ من أمارات ضعف اليقين بالله وقلّة الثّقة به سبحانه أن ترى المسلم يؤخّر الصّلاة وربّما يتركها خوفا على وظيفته أو تجارته، أن ترى المسلم يبكّر ويستيقظ من نومه نشطا متى كان على سفر لمصلحة دنياه أو على موعد مهمّ مع شخص مهمّ في حياته، لكنّه ينام عن صلاة الفجر ولا يصلّيها إلا في رمضان. أن ترى المسلم يأخذ الحرام ويعطي الحرام ويخلط الحرام بالحلال لأنّه يخشى ألاّ يكفيه الله بالحلال. أن ترى العبد المسلم يعقّ والديه ويحسن إلى أصحابه وخلانه. أن ترى المرأة المسلمة تأنف من لبس الحجاب الواسع خشية أن تطعن الصديقات والقريبات في ذوقها وأناقتها. أن ترى المسلمة تتبرّج أو تلبس حجابا متبرّجا وتضع الأصبغة والماكياج والعطور كلّما خرجت من البيت، وكأنّها ترى أنّ نصيبها من الزّواج لا يأتيها إلا إذا عصت الرزّاق سبحانه.