“جامع الجزائر”.. قلعة روحيّة وإشعاع حضاري
جامع الجزائر.. هنا دفن حلم الكاردينال لافيجري، ودفنت معه مشاريع التغريب والتنصير الفرنسية بدماء الشهداء، التي أعادت المكان لأهله وانتصرت لهويتهم.. اليوم تغيب الكنيسة ويحضر الجامع، يكسر الصليب ويعلو الهلال.. على هضبة المحمدية جاء مشروع جامع الجزائر ليكون الحلقة الأخيرة في هذه المسيرة، أين بني على أنقاض الذاكرة الاستعمارية، ليعيد رسم المشهد الحضاري للجزائر ويكون سفيرا للمرجعية الدينية النوفمبرية..
قبل عام، وفي مشهد مهيب، فتحت أبواب جامع الجزائر للمصلين، ليحتضن أول صلاة جمعة، في لحظة أعادت للجزائريين فخرهم بإنجاز حضاري يحمل هوية وطنية ودينية جامعة، واليوم، بعد مرور سنة، لم يعد هذا المسجد مجرد تحفة معمارية وسياحية تأسر الأنظار، بل تحول إلى منبر للوسطية، قوة دبلوماسية ناعمة، ووجهة علمية يقصدها طلاب العلم والباحثون، في انسجام تام مع رسالته التي تتجاوز حدود الجزائر، حملت منطقته اسم “لافيجري” لفترة طويلة، وظلت رمزا لمحاولة تغريب الجزائريين وقطعهم عن جذورهم الإسلامية.
الجامع واكب العصر الرقمي وكرّس الفكر المعتدل
احتضن جامع الجزائر يوم الخميس 14 شعبان 1446هـ، الذكرى الأولى لافتتاحه، في أجواء مفعمة بالروحانية والفخر والاعتزاز بهذا الصرح الحضاري الشامخ، بحضور شخصيات بارزة وطنيا ودوليا، إضافة إلى زوار توافدوا من مختلف ولايات الوطن لمشاركة هذا الصرح التاريخي أولى محطاته السنوية، بعد استعراض لمسيرته خلال ندوة خاصة بالمناسبة استشعر خلالها الحاضرون رمزية هذا المعلم الديني وقيمته الروحية والفكرية، وقفت “الشروق” على عرض إبداعي بتقنية الواقع المعزز، في رواق المركز الثقافي، أنجزه المركز خصيصا لهذه المناسبة، كانت التجربة مدهشة، حيث عاش الزوار لحظات تاريخية عبر محاكاة رقمية لتاريخ منطقة المحمدية، ما منحهم إحساسا بالسفر عبر الزمن واستحضار تطور هذا الحي العريق إلى أن أصبح يحتضن أكبر جامع في إفريقيا، والثالث عالميا.
وعلى بعد خطوات من هذا العرض الرقمي، تنوعت المشاهد البصرية في معرض الفن التشكيلي الإسلامي برواق المركز الثقافي، حيث زينت الجدران بلوحات بديعة تمزج بين الزخرفة الإسلامية والخط العربي، إلى جانب منحوتات معمارية تجسد روح الحضارة الإسلامية.
وفي فضاء آخر من الاحتفالية، وقفت “الشروق” على معرض علمي بيداغوجي نظمته المدرسة العليا للعلوم الإسلامية “دار القرآن”، حيث عرضت التخصصات الأكاديمية المتاحة، إضافة إلى إصدارات حديثة لأساتذة المدرسة تناولت قضايا دينية وفكرية معاصرة، فالجناح لم يكن مجرد ركن تعريفي، بل فضاء فكري يعكس رؤية الجامع في أن يكون مركزا للبحث العلمي وتكوين الأجيال القادمة من العلماء والدعاة.
على مدار عام من الافتتاح.. فعاليات دينية وتاريخية وثقافية كبرى
لم يقتصر دور جامع الجزائر، منذ افتتاحه قبل عام، على كونه صرحا دينيا فحسب، بل أصبح مركزا ثقافيا وعلميا نشطا، يعكس التزامه العميق بخدمة المجتمع وتعزيز قيم التسامح والانفتاح والمعرفة، على مدار عام كامل، احتضن الجامع فعاليات دينية وتاريخية وثقافية كبرى، أبرزها إحياء الذكرى السبعين لاندلاع ثورة التحرير الجزائرية، حيث شهد أنشطة استحضرت قيم الوحدة والتضحية، إلى جانب احتضان أكبر حفل لعلماء الجزائر، سواء في المجال الديني أو العلمي، على غرار البروفيسور بلقاسم حبة وغيره من العلماء الذين يفتخر ويعتز بهم الجزائريون ..
وفي إطار نشاطه الثقافي، استضاف المركز الثقافي التابع للجامع فعاليات علمية بارزة، من بينها ندوة “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم” التي نشّطها البروفيسور أحمد بوستة، وملتقى وطني حول الشيخ سعيد بن بالحاج شريفي والشيخ عدون، حيث تم تسليط الضوء على جهودهما في خدمة الثوابت الوطنية، كما شهد الجامع محطات مميزة، مثل إهداء نسخة فريدة من القرآن الكريم مكتوبة على ورقة واحدة لعميد الجامع، وغيرها من الفعاليات والندوات المثمرة وجلسات الذكر خلال المناسبات الدينية والأعياد.
إلى جانب ذلك، انخرط جامع الجزائر في مبادرات بيئية وإنسانية، حيث نظم حملات واسعة للتبرع بالدم والتشجير، كما أطلق برامج توعوية حول أهمية الحفاظ على البيئة، من خلال ندوات تثقيفية ركزت على التوازن البيئي وأهمية الطاقة المتجددة في الحفاظ على الموارد الطبيعية.
المكتبات الوقفية… إرث يبعث من جديد
وبتاريخ 16 أفريل 2024 شهدت قسنطينة حدثا تاريخا هاما، حمل عبق العلم وتراث الأمة، بعدما أشرف عميد جامع الجزائر الشيخ مأمون القاسمي على مراسيم تسليم مكتبة العلامة عبد الحميد ابن باديس إلى جامع الجزائر، كوقف من عائلته تخليدا لإرثه، وإلى جانب المكتبة “النفيسة” للعلامة ابن باديس، تسلّم أيضا الجامع مكتبات وقفية أخرى، منها مكتبة الدكتور حسان موهوبي، بالإضافة إلى مكتبة الدكتور سليمان الصيد التي كان يسميها “الكنز” تضمنت أزيد من 13 ألف كتاب من مطبوعات ومخطوطات ودوريات، وأيضا إعلان مها سعدي عاشور عن وقف مكتبة والدها الكاتب والدبلوماسي عثمان سعدي لصالح الجامع.
صرح يعكس حلم الجزائريين بعد قرن وثلث قرن من الاستعمار
وفي السياق، أكد النائب المساعد المكلف بالبحث العلمي والتكوين لطور الدكتوراه بدار القرآن، بدار القرآن، الدكتور عبد الرحمان طايبي لـ”الشروق”، أن الذكرى السنوية الأولى لافتتاح جامع الجزائر تمثل محطة هامة في تاريخ الجزائر المستقلة، حيث يعكس هذا المشروع الحضاري حلم الجزائريين بعد قرن و32 سنة من الاستعمار الفرنسي الغاشم، ليكون منارة علمية لترسيخ المرجعية الدينية والوطنية الجامعة، وتعزيز الخطاب الديني الوسطي المعتدل عبر الانفتاح على مؤسساته العلمية والثقافية.
وأوضح الدكتور طايبي، أن جامع الجزائر ليس مجرد صرح ديني، بل هو مشروع حضاري متكامل يضم مؤسسات أكاديمية وبحثية، على رأسها المدرسة العليا للعلوم الإسلامية – دار القرآن، مركز البحوث في حوار الحضارات والعلوم الدينية، متحف الحضارة الإسلامية، المجلس العلمي، إضافة إلى فضاءات أخرى تهدف إلى استيعاب المشهد الديني والثقافي في الجزائر، وفق رؤية علمية تعزز العلاقة بين الثقافة والجامع بمختلف أبعادهما.
خطاب ديني وسطي منفتح على العصر
وأشار محدثنا إلى أن جامع الجزائر شهد خلال عامه الأول تنظيم ندوات علمية، وورشات عمل وملتقيات متخصصة، مواكبة للأعياد الدينية والوطنية، حيث استقبلت المدرسة العليا الإسلامية – دار القرآن شخصيات علمية بارزة على المستوى العالمي، قدمت محاضرات للطلبة عن بعد وحضوريا، لتعزيز البحث العلمي وترسيخ التعاون مع مؤسسات بحثية دولية، وذلك في إطار تكوين إطارات أكاديمية متشبعة بالقيم الوطنية والمرجعية الدينية الأصيلة، ومنفتحة على أحدث التطورات العلمية.
وأضاف أن دار القرآن توفر 12 تخصصا عبر 6 شعب، تشمل العلوم الإسلامية، العمارة الإسلامية، علم النفس، الرياضيات والتخطيط والعمران، المالية الإسلامية، مع التركيز على البعد الإفريقي وامتداد علماء الجزائر في القارة الإفريقية، إضافة إلى تخصصات حديثة في الأسواق المالية الإسلامية، المحاسبة الإسلامية، التكنولوجيا المالية والمصرفية، مما يواكب احتياجات الدولة الجزائرية اقتصاديا واجتماعيا.
وشدد طايبي على أن هذا الصرح العلمي والديني، الذي يعمل تحت وصاية مشتركة بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، يهدف إلى تقديم نموذج خطاب ديني وسطي معتدل، قائم على المعرفة والانفتاح على العصر، مع الحفاظ على القيم والثوابت الوطنية، ودور الجزائر كمركز علمي وديني رائد في العالم الإسلامي، بعد سنوات طويلة من محاولات طمس هويتها خلال فترة الاستعمار.
تكوين جيل جديد من المفكرين والعلماء
من جهته، أشار رئيس المجلس الأعلى للغة العربية صالح بلعيد، أن جامع الجزائر عكس هوية الأمة ويجسد مرجعا علميا للباحثين، مشيرا إلى أن هذا الإنجاز يعبر عن تمسك الجزائر بقيمها الروحية والثقافية في مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة.
ويؤكد بلعيد على أن الجامع ساهم في تلاقي الأصالة بالحداثة، وهو ما يعكسه إشراف كبار المسؤولين، على متابعة المشروع، الذي حاز اعترافا دوليا بفضل تصميمه الهندسي الفريد، المصنف ضمن أبرز المعالم المعمارية العالمية، مشيرا إلى أن جامع الجزائر جاء ليعيد رسم المشهد الثقافي والديني في البلاد، بعدما سعت جهات استعمارية سابقة إلى طمس الهوية الوطنية عبر مشاريع التنصير والتبشير، إلا أن الجزائريين، على حد تعبيره، ظلوا أوفياء لموروثهم الديني والثقافي، وهو ما تجسد في هذا المعلم الذي يحمل اسم “المحمدية”، في إشارة رمزية إلى التمسك بالقيم الإسلامية العريقة.
وفي سياق حديثه، أوضح بلعيد لـ”الشروق” أن هذا المشروع لم يقتصر على الجانب المعماري فحسب، بل تضمن أيضا إطلاق المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية ودار القرآن، بهدف تكوين جيل جديد من العلماء والمفكرين، الذين يزاوجون بين علوم الشريعة والعلوم الكونية، وفق رؤية معرفية أصيلة تواكب المتغيرات المعاصرة، وتعزز مبادئ التسامح والوسطية والاعتدال.
وأكد رئيس المجلس الأعلى للغة العربية، أن هذه المدرسة لا تهدف فقط إلى تخريج أساتذة جامعيين، بل تسعى إلى تكوين قادة علميين يكونون مرجعية فكرية للأمة، وقادرين على مواجهة التحديات الثقافية والفكرية، مع الحفاظ على الخصوصية الجزائرية، وأضاف أن حفظ القرآن الكريم يعد شرطا أساسيا لتخرج الطلبة، وهو ما يعكس التكامل بين التعليم الديني والتكوين الأكاديمي في هذا الفضاء العلمي، ليكون شاهدا على نهضة الجزائر الجديدة، التي تستمد قوتها من هويتها وتاريخها العريق.
استحضار النفحات العلمية للزوايا ومدارس القرآن
وبالمقابل، صرح الإمام والناشط الإعلامي عبد الرشيد بوبكري لـ”الشروق”، أن جامع الجزائر أصبح منارة علمية كبرى تعيد للجزائر مكانتها الريادية في المجال العلمي، بعد أن تعرض هذا الدور لمحاولات الطمس خلال الحقبة الاستعمارية، على حد تعبيره.
وأوضح بوبكري أن المسجد جاء ليجمع النفحات العلمية التي كانت حاضرة في الزوايا ومدارس القرآن، والتي شكلت عبر التاريخ مراكز إشعاع علمي، مثل بجاية وتلمسان ومازونة، التي كانت منارات فكرية قبل أن تتعرض للاندثار بفعل الاستعمار ومخلفاته، وأضاف أن جامع الجزائر سيكون بمثابة حاضن لهذه الحواضر العلمية، بل وامتداد لها، مؤديا دورا هاما في المستقبل، بفضل مؤسساته الثماني التي تتجاوز البعد التعبدي إلى البعد الحضاري والتعليمي.
كما شدد بوبكري على أن جامع الجزائر سيكون له آفاق واسعة على المستوى الإفريقي والعالمي، مؤكدا أن محاولات الكاردينال لافيجري لتنصير الجزائر باءت بالفشل، إذ شاء الله أن يطلق على المنطقة اسم “المحمدية”، في رد تاريخي على فرنسا ولا فيجري، الذي سعى لإبعاد الجزائريين عن دينهم من خلال مشاريعه التنصيرية.