جرائم الإستعمار.. قنبلة تلغم زيارات رؤساء فرنسا إلى الجزائر!
يحل بالجزائر، الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الأربعاء، في زيارة تعد السابعة لرئيس فرنسي للجزائر، وتكمن أهمية هذه الزيارة في أنها كانت مثار جدل سياسي وإعلامي كبيرين، منذ ما يقارب الستة أشهر، بسبب كثرة التأجيلات التي طالتها والغموض الذي لفها.
وظل الماضي التاريخي المأزوم حاضرا في كل الزيارات التي قادت رؤساء فرنسا للجزائر، غير أن زيارة ماكرون اليوم تنطوي على خصوصية، لأن رئيس “حركة الجمهورية إلى الأمام”، كان قد أدلى بتصريحات غير مسبوقة عن الاستعمار بالجزائر، عندما زارها كمشروع مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية في فيفري 2017، وها هو اليوم يزور الجزائر كرئيس يتمتع بكافة الصلاحيات الدستورية لقول ما يمليه عليه ضميره.
برنوس بومدين ورسالة ديستان
وتشبه زيارة ماكرون أول زيارة قادت رئيس فرنسي للجزائر بعد استقلالها، وهي زيارة فاليري جيسكار ديستان في العاشر من أفريل 1975، التي كانت مشحونة بآلام الماضي وجروح التاريخ، وتجلى ذلك من خلال المشاهد التي حفظتها عدسات الكاميرا وآلات التصوير.. فالرئيس الراحل هواري بومدين الذي لم يزر فرنسا في حياته، أصر على استقبال نظيره الفرنسي بـ”البرنوس”، وهو موقف يعبر عن عمق الاعتزاز بأصالة الجزائر التي لم يمض على تحررها من نير الاستعمار سوى أقل من 13 سنة يومها.
أما الرئيس الفرنسي فيبدو أنه فهم الرسالة جيدا، ورد عليها بتصريح فيه الكثير من الدلالات والمعاني عندما قال: “فرنسا التاريخية تحيي الجزائر الفتية”، وكان ذلك ردا بعد ما شعر بأن بومدين وخزه بعبارته الشهيرة التي خاطبه بها: “الجزائر المستقلة تحيي فرنسا”. وهكذا كان ملف الذاكرة حاضرا في تلك الزيارة بالرغم من أن الطرفين اتفقا على عدم إثارة هذه القضية.
ميتران و”الأقدام السوداء”
الزيارة الثانية كانت في نوفمبر 1981 وهي التي قادت فرانسوا ميتران، الذي سبق له وأن شغل منصب وزير الداخلية خلال الثورة التحريرية وكان من أشد المعارضين لاستقلال الجزائر، وقد ركزت أيضا على ملفات لها علاقة بمخلفات الاستعمار، وهي ممتلكات الأقدام السوداء، التي لا تزال تصنع الجدل إلى غاية اليوم، بالإضافة إلى زيارة ثانية في عام 1989.
زيارات الرؤساء الفرنسيين إلى الجزائر توقفت لأكثر من عقد من الزمن، وقد استأنفها الرئيس الأسبق، جاك شيراك، في عام 2003، وهي الزيارة التي خلفت جدلا كبيرا بسبب الحفاوة التي قوبل بها شيراك في شوارع العاصمة، والهتافات التي رفعوها مطالبين بالحصول على التأشيرة !!
“تبجّح” ساركوزي وغضب الجزائريين
وبعد أربع سنوات من تلك الزيارة، جاءت زيارة نيكولا ساركوزي، الذي يعتبر أكثر الرؤساء الفرنسيين تبجّحا، فهي قد جاءت بعد موافقة البرلمان الفرنسي على قانون يمجد الممارسات الاستعمارية، ما خلف غضبا شديدا لدى الجزائريين، وخاصة بعد ما فشل الرسميون في سن قانون مضاد يجرم الممارسات الاستعمارية، على الرغم من أن المشروع قطع أشواطا على مستوى الغرفة السفلى للبرلمان.
وقد استشاط الجزائريون غضبا من تصريح ساركوزي خلال زيارته الأولى في العاشر من جويلية 2007، عندما قال من جامعة قسنطينة “لم آت للجزائر من أجل الاعتذار”، وإن حاول تلطيف هذا التصريح بوصفه الاستعمار “نظام غير عادل”، كما قال، وقد حافظ ساركوزي في زيارته الثانية على تجاهله لمطالب الجزائريين بالاعتذار، لكن من دون أن تتأثر حصة الفرنسيين من كعكة أموال الصفقات العمومية الكبرى في مستعمرتهم السابقة.
فرانسوا هولاند هو الذي دشن مرحلة جديدة من العلاقات بين الجزائر وباريس، التي شهدت في عهد سلفه ساركوزي، أزمات عدة بسبب مواقفه المتطرفة من الماضي الاستعماري، وقد جاءت زيارة هولاند الأولى في العشرين من ديسمبر 2012، لترسي ما سمي حينها ولايزال “الشراكة الاستثنائية”، التي تقوم على استبعاد ملف الذاكرة من العلاقات الثنائية، للحفاظ على تعزيز العلاقات الاقتصادية، وهو توجه لقي قبولا لدى الفرنسيين الذين كانوا يبحثون عن سوق آمنة لسلعهم في الجزائر، مقابل استفادة الجزائر من تحويل التكنولوجيا الفرنسية، وهو الأمر الذي لم يحصل رغم الوعود المتكررة. ولم تختلف الزيارة الثانية التي كانت في جوان 2015 عن سابقتها من حيث الأجندة والأهداف.