جزائريون يحوّلون الأوراق النقدية إلى مفكّرات شخصية!
من قال إن الأوراق النقدية في الجزائر لا تصلح أن تكون مفكّرات شخصية، إذا كان الكثير من الناس يدوّنون عليها أرقام الهواتف، وأسماء أشخاص ومؤسسات، وقائمة المشتريات وعمليات حسابية وعبارات مختلفة يُرجى منها التذكير بأمر يُحتمل نسيانه، فيما لا يتردّد بعض الجزائريين في التوقيع عليها و”البصم” فيها ليس بالسبابة، وإنما بالسيجارة، كنوع من أنواع “الأختام” التي تعبر عن هوية صاحبها!
هذا هو حال أوراقنا النقدية التي أصبحت مجرد “أوراق” عادية تخضع في الكثير من الأحيان إلى “عمليات جراحية معقّدة” بالشريط اللاصق، بسبب تمزيقها وسوء استخدامها حتى تكاد تفقد “ملامحها”، ومع ذلك تظل متداولة في السوق بشكل لا يثير الانتباه والامتعاض، طالما أن الجزائريين تعوّدوا على هذه الظاهرة التي تكلف الاقتصاد الوطني الكثير، ولكن من يسمع؟!
استبدال الورقة العادية بالورقة النقدية!
بحكم أن الأوراق النقدية هي من أكثر “الأوراق” تواجدا في جيوب الجزائريين باستمرار، كثيرة كانت أم قليلة، فإنها تضطلع إلى جانب مهمّتها “الرسمية” المتمثلة في البيع والشراء والتبادل التجاري، بمهمة “ثانوية” تتمثل في تذكير صاحبها بما قد ينساه في غمرة المشاغل اليومية، كأن يكتب عليها رقم هاتف صديقه أو أحد معارفه الذي زاره فجأة، أو اسم الطبيب الذي نصح له بزيارته، أو اسم مؤسسة أو شركة لديه فيها مصالح، كل هذه “المدونات” أصبحت من الأشياء العادية التي نصادفها في الأوراق النقدية ولا نعيرها اهتماما، وقد يصل الأمر ببعض الناس إلى تدوين قائمة اللوازم التي ينوي أن يشتريها لمنزله، هذا هو حال أحد الاشخاص الذي يقول عنه” بدر الدين.م” صاحب محل لبيع الأثاث المنزلي بباب الزوار: “ربما لم يجد أين يكتب قائمة اللوازم المنزلية، فكتب على فئة 500دج، وبخط رفيع: معدنوس، بصل، ماشطو، طرشي، طماطم”، وكتب شخص آخر على فئة 200دج باللون الأسود الوثائق المطلوبة لتكوين ملف السكن التساهمي، بينما “ضاقت “الأوراق” العادية بشخص يدعى “مصطفى” الذي كتب اسمه على فئة “200 دج” وأجرى عليها عملية حسابية. يقول “ن، م” موظف بالبنك الوطني الجزائري: “إن أكثر الأوراق النقدية التي يسترجعها البنك أُجريت عليها عمليات حسابية، ما يعني أن المواطن يستعمل الورقة النقدية كبديل عن الورقة العادية”.
التعبير عن الحالة النفسية والمزاجية
نوع آخر من أنواع الكتابات التي انتشرت في الأوراق النقدية، تلك التي تعبر عن الحالة النفسية أو المزاجية لصاحبها، والتي تكون في الغالب عبارة عن خربشات أو رسومات، أو كلمات مقتضبة، ولكنها معبرة مثل عبارة “مديڤوتي” التي كتبها أحدهم على فئة 100دج، ربما لأنه لا يملك إلا هذه الورقة “البائسة”، بينما يعبر آخرون عن مشاعرهم الصادقة نحو أقرب الناس إليهم، وكأنهم يريدون أن يطلعوا الناس جميعا على هذه المشاعر، مثل العبارة التي دونها أحدهم بالفرنسية على فئة 200 دج، والتي تقول “أحبك أبي”، ويعبّر جزائريون آخرون عن انتماءاتهم السياسية وقناعاتهم الشخصية ووجهات نظرهم أيضا على الأوراق النقدية، فهذا أحد الاشخاص كتب على ورقة من فئة 500 دج “أفالان” ويبدو أن أحدهم رد عليه عندما استلمها وكتب عليها “فيس”.
إلا أن الذي كتبها لم يقصد أن يعيد إلى الأذهان العشرية السوداء مثلما ذهب إليه معظم المعلّقين على الورقة النقدية، وإنما صاحبها “واحد ضايقة روحو”.
أما من أكثر حالات “الاضطهاد” التي تتعرض لها الاوراق النقدية فهي التمزيق بسبب سوء استخدامها والمحافظة عليها، خاصة من قبل تجار الجملة الذين يقومون بتكديسها في الأدراج، بينما لا يتوانى البعض عن تلويثها بأيديهم المتّسخة بزيوت السيارات، أو بقايا الطعام، بالإضافة إلى إصابتها بالرطوبة بسبب عوامل التخزين السيئة.
“علاقتنا بالنقود تتّسم باللامبالاة”
وحول سؤال الشروق عن الأسباب التي تجعل الأوراق النقدية الجزائرية معرضة للتلف والامتهان، قال المستشار الاقتصادي عبد الرحمن بن خالفة: “نحن من البلدان التي تتسم علاقتها بالنقود باللامبالاة، فالمواطن الجزائري لا يستعمل عادة حافظة النقود لحفظ الأوراق النقدية، وإنما يضعها في جيبه كيفما اتفق، وهذا ما يعرّضها للتلف، كما أن عدم تعاملنا بالشيكات يجعل حركة الأوراق النقدية متداولة أكثر”.
ويضيف: “في كثير من البلدان المتقدمة يتجاوز عمر الورقة النقدية 10 سنوات، أما عندنا فعمر الورقة النقدية قصير، وهذا مرتبط أساسا بالتربية التي يتلقاها الفرد منذ نشأته، حيث لا ينظر عادة إلى الورقة النقدية على أنها رمز من رموز السيادة الوطنية مثل الطابع البريدي والعلم”.
وعن كيفية التعامل مع الأوراق النقدية المكتوبة أو التي تعرضت للتلف يقول بن خالفة، إن البنك المركزي يقوم بتصنيف الأوراق النقدية إلى مجموعات وتتّخذ بشأنها إجراءات مختلفة “فالأوراق النقدية التي توجد في حالة جيدة تظل متداولة في السوق، بينما تعاد الأوراق الممزقة والمكتوبة إلى البنك المركزي الذي يقوم بإعادة طبع كمية مماثلة لها، ولهذا فإن عدم المحافظة على الأوراق النقدية يضع البنوك أمام مهمّة إضافية، كما يكلّف الاقتصاد الوطني الشيء الكثير“. وللتخفيف من هذه الظاهرة التي لم تُتّخذ بشأنها إجراءات قانونية رادعة، قال المستشار الاقتصادي : “إن البنك المركزي بدأ يعطي الأولوية للقطع المعدنية، لأن مدة بقائها أكبر، حيث قام بضخ كميات من القطع المعدنية من فئة 200 دينار، لكن مع ذلك لابد من أن نعلّم النشء في المدارس ضرورة احترام الأوراق النقدية، وتحسيس المواطنين بمسؤوليتهم تجاهها، لأن الإساءة إليها من شأنه أن يعطي صورة سيئة للأجانب عن الجزائر”.