جمهورية “الكارتون” تستيقظ ليلا
على مرمى حجر من مجلسي الشعب والأمة، أين تلتقي السلطات العليا للبلاد وممثلي الشعب، تتراءى أولى قوافل الخلق التعيس على شاكلة خفافيش الليل، في رحلة بحث عن مكان دافئ تتخللها طفولة غضة، أصبحت وجناتها زرقاء من شدة البرد والجوع… هم نزلاء الشارع أو المعروفين بـ”الأس.دي. أف”،الذين يتكاثرون بقدر ما يموتون.الليل أسدل ستاره، ودرجة البرودة تحت الصفر، عندما وصلنا إلى مقر أمن المقاطعة الإدارية لسيدي أمحمد، حيث رفقتنا الملازم الأول خليدة وفرقتها في دخول عالم الـ”الأس .دي. أف” أو ممن يعرفون بـ”حراس العاصمة”، أين وقفنا على ما تخبئه شوارعنا بعد أن يرخي الليل سدوله..
الانطلاقة نحو جمهورية المتشردين
في الشوارع، في مفترقات الطرق، عند كل دكان في أقبية العمارات وحاويات نات كوم، وتحت عربات القطارات تجد أطفالا، شيوخا، أمهات عازبات، مراهقين، رجالا، شابات، سيدات تجاوزن العقد الخامس.. أجبرتهم الظروف فشكلوا ديكورا لحراسة العاصمة ليلا.
من ساحة السكوار كانت الإنطلاقة رفقة رجال الشرطة نحو هذا العالم المأساوي الذي يحز في النفوس ألما لما تكون على مرآى من صبية، ونساء ورجال، إما يفترشون بطانيات بالية، وكارتون في مثل هذه الأيام الباردة، هم 10 أشخاص أحصيناهم في ذات الشارع، الصغار يغوصون في نوم عميق، فوق مداخن المخابز المحاذية، حيث لاتزال حرارة فرن النهار ترسل لفحات ساخنة رحمة بهم، ألقينا التحية، رد بعضهم، فيما سارع آخرون إلى طردنا، حيث قالت لنا سيدة تدعى “الزهرة” رفقة إبنها البالغ 10 سنوت” ..من فضلكم لا تتاجروا بمأساتنا، فقد كنا موضوع الصفحات الأولى في الكثير من الجرائد لسنوات، ولكن حالنا لم يتغير، بل بالعكس، فنحن من سيء إلى أسوإ”، رجال الشرطة قاموا بتوزيع وجبات قتالية، ليرد البعض منهم… أنتم من بقي لنا لا تنسونا، بلغوا تحياتنا الخالصة بأسماء المستضعفين، إلى الجنرال هامل، “فكر فينا وخصص لنا كل ليلة وجبة نسد بها رمقنا في هذه الليالي الباردة”.
“الأس. دي.أف” الهاي كلاس
قبل أن نغادر “السكوار” إلتقينا بمتشردة تدعى “كامرون”، تبلغ من العمر 28 سنة، تتقن اللغة الفرنسية والإنجليزية، بطريقة مذهلة، كانت تحمل في يدها سيجارة “مالبورو”، تفترش بطانية جديدة وبجانبها حلويات، تقربنا منها رفقة الملازم الأول للشرطة خليدة لنعرف شيئا عن حياتها، لكن رفضت الإفصاح عن مأساتها واكتفت بالقول فقط وهي تتحدث إلينا باللغة الفرنسية، أنا متزوجة من جزائري وعذبني فراقه، ولهذا استقليت طائرة من ليون الفرنسية إلى الجزائر للبحث عنه، لكن لم أجده وضيعت كل أوراقي ولم أجد سبيلا غير الشارع… تبدو قصتها غريبة، لكن قبل أن نبتعد قالت لأحد أعوان الشرطة ألا تعطيني وجبتي الغذائية كالعادة، فرد عليها العون قائلا “وجبتك هاهي”.
واصلنا طريقنا نحو شارع عميروش، إلتقينا سيدة تبلغ 39 سنة رفقة ابنتها سعيدة، كانت ترتدي لباسا جد محترم، وبمجرد أن اقتربنا منها رفقة رجال الشرطة، ألقت علينا التحية، وقالت لنا أدعولي نتزوج بهذا الذي أنتظره… لم نفهم شيئا من حديثها واستفسرنا فردت علينا “أنا ما نرحوش مركز النساء بزغارة، أنا حبيت داري وبوتفليقة قال لكم أعطولهم ديار…”.
وبالقرب من مقر أمن العاصمة، كانت مجموعة من النسوة نائمات وبمجرد أن اقتربنا منهن، نهضت إحداهن تستفسر عن سبب مجيئنا، ولما عرفناها بأنفسنا على أساس أننا من فرقة الشرطة المكلفة بتوزيع الوجبات القتالية، شرعت في الاستفسار أين سنأخدها رفقة صديقاتها إلى دار الرحمة ببئر خادم أو دالي إبراهيم، كي تقرر الذهاب أم لا، وعندما أخبرناها أنه سوف يتم التكفل بهن في مركز الإحسان للنساء بزغارة، رفضن ذلك.
وفي مفترق طرق البريد المركزي، والساعة كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلا أحسسنا كأنه كلما تقدمنا نحو شارع حسيبة وساحة أول ماي، تزداد فظاعة المشاهد المأساوية لأطفال يفترشون العراء أو بعض البطانيات البالية شبه عاريين، أقدام حافية، البرد والجوع يكاد ينهش أجسامهم الضعيفة، وأغلب الأسباب التي دفعت بهؤلاء إلى الشارع هي التفكك الأسري جراء طلاق الوالدين أو إهمال وغياب أحدهما، وهو ما أكده لنا محمد الذي قال لنا “أنا في الشارع لا دار ولا دوار.. راني نستنى غير في وجبة البوليسية… باش نأكل“.
وقبل أن نغادر المكان، لفت انتباهنا مشهد إمرأة يبدوا أنها تنتمي إلى فئة الذين رفع عنهم القلم، حيث كانت تحمل بيدها مصحفا صغيرا، وعندما حاولنا الاقتراب منها هاجمتنا بطريقة عنيفة، وقالت لنا أتركوني، أنا الأن أتحدث مع الله، ألا تفهمون أيها الأغبياء…؟
الشرطة في مهمة إنسانية كلما أسدل الليل أستاره
رحلتنا في جمهورية المتشردين جعلتنا نقف عند امتزاج دموع الفرح والحزن التي ذرفها “الأس. دي.أف” رفقة عناصر شرطة “الكافينياك”، الذين سنوا سنة حسنة بتفقدهم لهذه الفئة المعذبة على وجه الأرض، وتقديم بعض الوجبات القتالية التي خصصتها المديرية العامة للأمن الوطني من باب الرحمة والشفقة لمن لا مأوى لهم، وشاركتنا ملازم أول للشرطة خليدة عثماني رئيسة خلية الإصغاء والنشاط الوقائي بأمن الولاية المنتدبة للمقاطعة الإدارية لسيدي أمحمد، تنفيذا لتعليمات مسؤوليها في هذه المهمة لتواسي المتشردين، وحاولت قدر المستطاع التخفيف من معاناتهم، وهو ما جاء على لسان أحد هؤلاء “إنه منذ بداية موجة البرد لم يسأل عنا أحد سوى رجال الشرطة الذين وقفوا جنبا إلى جنب من أجل تقديم وجبة نسد بها رمقنا، وكفى أن يتفقدونا كل ليلة، وأضاف قائلا إن “تدخل رجال الشرطة الذين منحونا الدعم المعنوي والمادي وكانوا معنا في الميدان وعايشوا المعاناة التي نقاسيها، لا ينساه من كان في حاجة إلى دفء العائلة، وعلى لسان جمهورية المتشردين نوجه شكرنا للمديرية العامة للأمن الوطني التي سهرت منذ موجة الإضطربات الجوية التي اجتاحت الجزائر التكفل بنا وجميع المعوزين في جميع أنحاء الوطن“.
غادرنا المكان وفي مخيلتنا صورة هؤلاء المتشردين.. فالكل له قصة جعلته ينضم إلى هؤلاء البؤساء.

