جوع المثقفين والفنانين
أذهلني ما استعرضته ذاكرتي ذات مساء عن فنانين وأدباء وكتاب ومفكرين وعلماء ضرب الجوع امعاءهم وطوى اجسادهم واحنى ظهورهم وحال بينهم وكثير من احلامهم البسيطة واصابتني خيبة الأمل الكبيرة في اصحاب الثروة والمؤسسات الثقافية والفكرية في بلاد العرب والمسلمين الذين يتلذذون بجوع المثقفين والأدباء والمفكرين، بل وفي العالم تذكرت نجيب سرور كيف كان يطوي الشوارع حافيا يبيت على الرصيف وهو العبقري شعرا ومسرحا..
تذكرت أمل دنقل صاحب رائعة “لا تصالح”، وكيف مات لم يستطع توفير دريهمات لشراء الدواء، تذكرت المفكر المدهش جمال حمدان صاحب عبقرية المكان و”شخصية مصر” كيف عاش فقيرا ومات فقيرا، ويطوف بي التجوال فأتذكر علي شريعتي وهو يبحث عن من يتبنى طباعة ما يكتب وهو مفكر الثورة ومنظرها الأنجب فكانت ترده دور النشر في طهران خائبا فيطوي على سيجارته ليموت في عز شبابه، اما مالك بن نبي المفكر الحضاري الرائد في بلاد العرب والمسلمين صاحب سلسلة مشكلات الحضارة والذي أوقف عمره في التصدي للمؤامرة التي تستهدف مجتمعاتنا وتقف حجر عثرة امام نهوضنا.. هذا العظيم كان لا يجد ثمن الأوراق التي يكتب عليها افكاره وتصوراته، وهناك من العلماء والشيوخ الكبار الذين كانوا لا يجدون قوت يومهم..
تذكرت ذلك وعادت بي الوقائع إلى تاريخنا العربي الاسلامي عن بعض الصحابة والتابعين وتابعيهم من العلماء والمفكرين وتحسست بطونهم الخاوية وايديهم الفارغة، فيما يتمرغ سواهم في المتع الحلال وغير الحلال.
الأمر ليس حصرا في مجتمعاتنا العربية الاسلامية انه يتمدد إلى المجتمعات البشرية، فكم كابد الأدباء والمفكرون والفلاسفة الجوع والفقر، “فنسو فانقو” الرسّام الهولندي الذي عاش جائعا ومات منتحرا ولم يبع اي من لوحاته وبعد موته كان ثمن إحدى لوحاته اربعين مليون دولار، و”فرنك كفكا” توفي بمرض السل من شدة الفقر، وسواهم من الأدباء والمفكرين الثوار في العالم الذين هجمت عليهم الحاجة والفاقة.
اين الخلل؟ من المسئول؟ هل هذا طبيعي؟ كيف يمكننا تدارك ما حصل؟
في الغرب هناك محاولة دءوبة لتدارك الأمر. ففي الغرب انشئت جمعيات ومؤسسات تعتني بالثقافة والأدب والفن وتوفر له فرص النماء والتطور وتفتخر بما لديها من فنانين ومفكرين ومبدعين.. وفي تاريخنا العربي الاسلامي نماذج محفزة لكل صاحب ابداع، فلقد كان يدفع للمترجم وزن كتابه ذهبا، كما ان العلوم والفنون كلها وجدت مناخها الفسيح للتنامي فكان الشعراء والأدباء والموسيقيون والبنيان الجميل واللباس الأنيق.
انني اتهم الجهلة واللصوص كلهم اين كانت مواقعهم هؤلاء الساخرين من الثقافة والمثقف والمحتقرين للحرف والكلمة المتلذذين بمناصبهم ومواقعهم موظفين كبارا او صغارا اتهمهم بأنهم العقبة الكأداء امام مهمة الثقافة في بلداننا.. لعل الفكرة اتضحت انه لابد من الاهتمام الرسمي والشعبي بما يكفل حياة كريمة للمثقف والمفكر والأديب والفنان.. لأن الجوع كافر.