-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نـِصـفُ خـبـر

جُمجـُمـة .. وعظـْمـتـان مُـتـقـاطـعـتـان!

سليمان باخليلي
  • 8241
  • 19
جُمجـُمـة .. وعظـْمـتـان مُـتـقـاطـعـتـان!
  • رغم الشك الذي يظـل يساورني في نية فرنسا المبيتة بطمس معالم 19 مارس وإقناعـِنـا بالتأريـخ لخروجها من الجزائر صاغرة ذليلة بنفسِ يوم غزوها لبلادنا في الخامس من جويلية، إلا أنني أستحضرُ الآنَ ونحنُ على مـقربة من “عيد الاستقلال والشباب” شعـورَ آبائنا وهم ينتظرون في مثل هذه الأيام اليومَ الموعودَ لبزوغ فجر استعادةِ السيادة الوطنية عام 1962 م، والذي تم ترسيمُه في ما بعـدُ باسم الشباب عيداً صاخباً حتى مطلع الفجر! أستحضرُ الآن هذا الشعـور فأغبط ُ الإعلامي المؤرخ الأستاذ محمد عباس وهو يفتحُ أمامنا كل مرةٍ صفحة ًمن صفحات تاريخ الجزائر المجـيد، أي نعم أغبطـُه، لأنهـمْ ــ ولا أعرفُ أسماءَهمْ ولا وجوههمْ ولا ملامِحَهمْ ــ عـودونا منذ المرحلة الابتدائية أن لا نقـتربَ كثيراً من تاريخنا حتى لا نحترق، وصوروا لنا شظايا التاريخ بأفضعَ من حرائق روما وهيروشيما وناجازاكي وتشيرنوبيل، فـنشأ في بلادنا جيلٌ يخشى التاريخ كخِشيةِ الله أو أشد خشية!  وفي الوقتِ الذي يحفظ ُ فيه المواطنُ الفرنسي عن ظهر قلب ٍنشيدَ بلاده الذي يتكرر في لازمته مقطع دموي إرهابي يحرض على العنف، ويدعو إلى سفك الدماء، ويتناقضُ مع شعاراتِ فرنسا الرنانة الداعية إلى الحرية والمـسـاواة والأخـوة، تـجدُ قـلة قليلة من الجزائريين يحفظونَ نشيدَ وطنهم الذي ينضحُ بأسمى معاني ثورة الإنسان ضد الظلم والقهر والاستعباد، وتطلعه المشروع إلى الحرية والمجد والسؤدد، ولـَكـَمْ يسوءني أن القلة مـن شباب الجزائـر ــ الذين سُمـي هذا الـعيدُ باسمهم ــ  يحفـظون نشـيدهـم الخـالد المتفرد “قسماً”، ولكم يؤسفني أن يُضطر الشيخ سعدان إلى أن يدعـوَ من جنوب إفريقيا إلى ترجمة النشيد الوطني لبعض لاعبينا “القادمين من المريخ” حتى يتمكنوا من فهمه وحفظه، ولا تزالُ طائفـة ٌمن أبناء بلدنـا تأبى أن تـُبرمِجَ في ذاكرتها المقطعَ الثالثَ الذي يتوعـدُ فرنسا بيـوم الحساب، بينما ودتْ طائفة أخرى لو حـُـــذفَ المقــطع الــذي أعــطـــى فــيه مفــدي زكـريا العهــدَ لجـبهة التحـريــر “التاريخية” بالنيابةِ عنا حتى تعقـدَ العزم أن تحيا الجزائر!  أغبط ُ الأستاذ عباس لأنه يناوشُ حرائقَ التاريخ ويواجهُها بمهارةِ رجل إطفاء متمرسٍ، حتى لكأنني أتخيله يرتدي سـُترة مضادة للنيران تشبه تلك التي يظهر بـها رواد الفضاء وهم يسبحون عكسَ الجاذبية، ويسيرونَ ضد التيار، وسنظـل نتذكرُ كيف أنـار وما يزال ينير بشجاعةِ مؤرخ منصفٍ زوايا مظلمة من تاريخنا، ومن بين هذه الزوايا التي أثارها فأنارها وأزال عتمتها موضوعَ أول خطـوةٍ قام بـها “حزبُ فرنسا” في الجزائر غداة رحيل الزعيم هواري بومدين حين قــررَ غـلاظ ٌشدادٌ، لا يعصون فرنسا ما تأمرُهم به، أن يعيدوا النظر في النشيد الوطني وأن يفتحوا نقاشاً غير بريءٍ من حوله… ثم كيف أسـقـِط َ في يد أصحابِ الخطوةِ الآثمـة حين تصدى رجالٌ، صـدقوا ما عاهدوا الله عليه، لهذه المحاولة فأفشلوها وأبطـلوا مـفعـولها يومئذٍ بقـرار الرئيس الشـاذلي بن جـديد ترسيـمَ النشيد الوطـني “قـسماً” عقِبَ محاولةِ تمرير مشروع قانون يُحـذفُ بموجـبه المقطع الثالث من النشيد، وهـاهـو اليوم ــ بعد مرور قرابة ربع قرن على تلك المحاولة الآثمـة ــ يُرسم نهائياً بنص المادة الخامسة من الدستور الحالي الذي يَعتبر العـَلَـم والنشيد مكسبيْن من مكاسب الثورة، ورمزيـن من رموز الجمهورية، وآيتيْن من آياتِ الوطـن، لا يتغيران بموتِ أحدٍ ولا بحياته! ومع أن هؤلاء الرجال الصادقين المخلصينَ لم يتمكنوا من إفشال مخططِ ربْـطِ ذكرى استرجاع السيادة الوطنية بعيد الشباب ))رغم النية المفضوحة في إفراغ هذه المناسبة الخالدة من محتواها، بتذويب معنى ذكرى الاستقلال في المعاني الصاخبة لعيد الشباب، مع أن لشبابنا ـ والحمد لله ــ عيداً سـنوياً يحـتفلون به في الثامن من مــارس كـل عام، كانَ من الأجـدَر تـرسـيمُه ــ من باب المساواةِ بين الجنسين ــ عيداً للشباب والشابات! (( إلا أن حزبَ فرنسا لم يستطعْ أن يمحُـوَ من ذاكرة الجزائريين المخلصين ذكـرى مولدهم الثاني، ولم يتمكنْ من أنْ ينزعَ الراياتِ الوطنية التي نزينُ بها شرفاتنا عند حلول موعد هذه المناسبة الخالدة كل عام، ولذلك لم ييأسْ هذا الحزبُ اللقيـط ــ كما يقول مؤرخ منصفٌ ــ فعمد إلى اختبار ردة فِعل ما تبقى من هـؤلاء الرجال، إذِ امـتدتْ يـدُه الشلاء إلى مناهج التربية فحاولتْ أن تـُسقط  مقـطع “يا فرنسا قد مـضى وقت العتـابْ”، وحين انكشفَ أمرُها ادعـتْ أنه سقط سهواً، وأضـافتْ إلى الثلاثةِ الذيـن رُفع عنهم القلمُ منْ يسهـو حتى يتذكـر، فصـار الذيـنَ رُفـِعَ عنهم القلمُ  ثلاثة ًرابعـُهـُمْ يشبه رابع أهل الكهـف!  إن فتحَ بابِ التاريخ في بلادِنا أمرٌ محفوفٌ بالمخاطر، والاقترابَ منه مساس ٌ بخط أحمر يسهَرُ عليه من لا أسماءَ لهم ولا وجوهَ ولا ملامح .. ومثلما يُعَـلِـقُ الجزائريون حـُدوةَ حصان على مداخـل دورهم ومنازلهم، فإن بوابة التاريخ في الجزائر معلـقٌ عليها جمجمة وعظمتان متقاطعتان، وبالتالي فإن تناولَ قضايا التاريخ، وبالأخص ما يرتبط منها بفرنسا أو أذنابها في بلادنا وخارجها أمـرٌ دونـه خـَرْط القـَتـاد، ووحـدَهُ من يعرفُ معنى خرط القتـاد هو من يتجرأ على تحطيم الجمجمة وعظماتـِها والنفاذِ إلى التاريخ، والأستاذ محمد عباس في مقدمة هذه الفئة القليلة.   ومع احترامي وإكباري لرفض الأستاذ عباس أن يشاركَه الفرنسيون كتابة تاريخ ثورتنا المجيدة، فإنني أستسمحُه في أن أرفع القبعة ــ بالتعبير الفرنسي للكلمة ــ احتراماً للمؤرخ اليهودي الأصل، الجزائري المولـد، الفرنـسي الجنسية: بنيامين ستورا الذي دعا مؤخـراً ـ في الجزائر ـ إلى ضرورة البحث في تاريخ الإمام ابن باديس، وإبراز دوره المشهود في نشر التعليم، وبث الروح الوطنية من خلال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كانت سنداً لأحزاب الحركة الوطنية في التمهيد للثورة التحريرية الكبرى، في الوقتِ الذي تعملُ فيه أذيالُ فرنسا الاستعمارية دون كلل أو ملل في طمس مجهودِ رجُـلٍ مَعـْلـَم خالدٍ ليس كأحدٍ من الرجال.. رجـل أقالَ الأمة من عثرةٍ، ونهضَ بها منْ كـَبـْوةٍ، وأيقظها من سباتٍ، وكسَـرَ الجمجمة ورمى بعظامها لرابـع أهـل الكهـف!         * فاصل قصير:  يتكرر في لازمة Refrain النشيد الوطني الفرنسي المارسييز المقطع الدموي القائل “إلى السلاح أيها المواطنون، شكلوا سراياكم وسيروا، ولـْـيـَسـْـق الدم غير النقي أخاديدنا… ” بينما تتكرر لازمة النشيد الوطني الجزائري على النحو التالي: وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر فاشهدوا …  وشـتان ما بين من يدعـو إلى الموت ومن يهتـِفُ بالحياة!     
  • سـُليمان بخليلي [email protected]
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
19
  • محمد لانصاري

    بوركت وبوركت يداك

  • هشام

    السلام عليكم
    مقال رائع ككل مقالات الأستاذ سليمان
    عن الموضوع، تأسفتَ يا أستاذ لكون الكثير من الجزائريين لا يحفظون نشيدهم الوطني وكان أولى بك أن تتأسف لكون اغلب الطاقم الحكومي لا يحفظ ذات النشيد، بل ضمن الطاقم من لا يحسن اللغة الرسمية للجزائر إطلاقا!

  • روضة

    في الحقيقة كنت احترمك كثيرا و اعتبرك مثلي الاعلى يا استاذ بخليلي , و مقالاتك كانت لا باس بها لكن لم افهم سبب ذلك المقال الذي ادرجته في الصحف عن احد الناجحين في فرسان القرآن ,فلكم تعجبت من موقفك منه يا اخي الكبير يبقى كبير
    و لا داعي لان يثبت ذلك .
    هذا من محبتي و احترامي لك .
    و بالنسبة لمقالك فلا باس به .

  • شابة جزائرية

    يعني الجزائري الذي يحفظ المقاطع الأربعة كاملة من النشيد " قسما " و أدرك معناها هو وطني حتى لو نهب أموال الشعب و سرق الملايير.
    لكن المغترب الجزائري الذي ولد و ترعرع بعيدا عن الوطن الأم بسبب الظروف التاريخية و الاجتماعية و لا يحفظ النشيد "قسما " كاملا فوطنيته ناقصة.

    فلسفتك خاطئة يا أخي الكريم. عائلتي تعيش بفرنسا لا تحفظ النشيد الوطني " قسما " اطلاقا لكنهم يعشقون تراب الجزائر أكثر مني و منك.

    عندي تعقيب بسيط أغلب الفرنسيين لا يحفظون نشيدهم الوطني لانهم ليسوا مجبرين على سماعه يوميا بالمدارس مثلما يحدث عندنا. فهمهم للوطنية و الانتماء للوطن أكبر و أعمق من فهمك لها.

    ما دابيك تنشري يا الشروق الرأي الاخر و شكرا.

  • كمال سعدالله

    عرفناك وجها اعلاميا تلفزيونيا متالقا . و التلفزيون خسرك و الشروق كسبتك و نحن الرابح الأكبر قراء الشروق دمت وجها و صوتا و قلما .

  • حمزة

    متألق كالعادة في جريدة متألقة....دمت لنا ودام قلمك و دامت الشروق نبرا لكل قلم منير

  • منصور

    بارك الله فيك موضوع قيم, أما التعليق رقم 1 فمن الاحسن عدم الرد عليه

  • خبير الذرة

    باختصارمن النشيد الوطني نستمد ماضينا و حاضرنا و مستقبلنا انه التاريخ بعينه .

  • el mourad

    دقة في كتابة

  • bahidja

    إلى صاحب التعليق رقم 7 حمزة محمد كمال ، وصاحب التعليق رقم 1 الأخ عابد . أظن أن مستوى كاتب المقال أكبر من قدراتكم الفكرية وعليكم المواظبة وكثرة القراءة حتى تصلوا لمستواه.وشكرا

  • قيس

    إلى صاحب التعليق رقم 1 " ورقم7 "وكم من عائب قولا صحيحا* وآفته من الفهم السقيم"

  • bouali

    جزاك الله خيرا وزادك علما ومنعفة وحبا للدين وللوطن وللكلمة الصادقة مفتاح حب وتقدير القراء ... ولكن الخوض في تاريخ واحداث الجزائر كما تعلم ويعلم الجميع وبخاصة صناع المعارك و ساردوا الاحداث فمنهم من التزم الصمت لاعتبارات شخصية واخرى واهية واخرى علي استحياء واستلطاف.. والاخرون جمعوا بين عمل صالح واخر ....وحزب فرنسا الذي تطرقت اليه وافعاليه كان على الاقل مجهرالولاء و معلن الانتماء ... مصبية من كانوا بين بين الالسنة و لاء للوطن واذعان القلوب لفرنسا .....
    ولكن محو ذاكرة الشعوب من رابع المستحلات ان تمح او تطمس او تزول لا بزوال الرجال ولا بمرور العصور والازمان ولكن التوثيق عمل اجباري وملزم به كل ذي اختصاصي... ولكن بامنة وصدق والتجرد من الذاتية والمحسوبية ....و دمتم لنا كشعاع على اقل تنير الطريق وسط هذا الظلام الدامس... والسلام ختام

    غن

  • محمد الصالح

    بارك الله فيك يا بخليلي ولا فظ فوك ولا انعدمت يمينك التي تخط بقلم لا جف وإني لأراك في الصحافة تعطي أكثر من الإذاعة فلا تبخل علينا بكتاباتك النيرة والمنيرة

  • محمد الصالح

    بارك الله فيك يا بخليلي ولا فظ فوك ولا انعدمت يمينك التي تخط بقلم لا جف وإني لأراك في الصحافة تعطي أكثر من الإذاعة فلا تبخل علينا بكتاباتك النيرة والمنيرة

  • محمد الصالح

    بارك الله فيك يا بخليلي ولا فظ فوك ولا انعدمت يمينك التي تخط بقلم لا جف وإني لأراك في الصحافة تعطي أكثر من الإذاعة فلا تبخل علينا بكتاباتك النيرة والمنيرة

  • قيس

    أعظم بالمقال موضوعا وأعظم بصاحبه كاتبا, وماعسى كاتب السطور أن يفعل وذاكرتنا مصادرة في ما وراء البحار وتاريخنا مشوه بأيدي بعض من صنعوه؟؟!! ولهذا أنا ضد أن نحتفل بعيد الإستقلال قبل أن نسترد أرشيفنا كاملا غير منقوص.
    إن فرنسا أدركت أن شعبا يقرأ التاريخ يوشك أن يصنعه,فعمدت إلى ذاكرتنا الجماعية لتمحوها وهيهات!

  • bahidja aziz

    كلامك من ذهب يارجل من ذهب ومازلت لم أعرف هل خسرك التلفزيون أو كسبتك جريدة الشروق . وفقك الله ودمت لنا

  • بوعمامه من العين الصفراء

    رائع...كالعادة

  • عابد

    هذا ليس بمقال صحفي بل هو عبارة عن كلام ليس له معنى فكاتبه ليس له مستوى و شكرا