حدود الرد الإيراني على اغتيال قاسم سليماني
ردة الفعل الأمريكية على اجتياح سفارتها في بغداد جاء سريعا ومدويا، باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس، والرجل الثاني في رأس قيادة إيران، وأبو مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي في العراق، حدث وضع مجددا منطقة الشرق الأوسط على صفيح ساخن، ويعد في الحد الأدنى بمواجهة أمريكية إيرانية مفتوحة فوق الأراضي العراقية.
في أول ردة فعل لإيران، أعلن عن وضع المنظومة الصاروخية الإيرانية في حالة استنفار، سبقها وضع القوات الأمريكية في الشرق الأوسط في حالة تأهب واستنفار، تحسبا لردة فعل إيرانية على حادث أصابها بلا شك في مقتل، باستهداف قاسم سليمان الذي تحمله الولايات المتحدة مسؤولية إدارة جميع أذرع إيران المسلحة من لبنان إلى اليمن، مرورا بسورية والعراق، وتكون قد استهدفته كإجراء استباقي لعمل كبير كان يدبره لحمل القوى الشيعية السياسية والعسكرية على المطالبة بفسخ الاتفاقية الأمنية التي تمنح الغطاء للتواجد العسكري الأمريكي بالعراق.
تدحرج كرة النار جاء بشكل متسارع، وكأن الطرفين كانا يرغبان في حرق المراحل، والوصول إلى حافة الهاوية، لأن إيران كانت تعلم أن الرئيس ترامب لم يكن ليسمح في سنة انتخابية بتعرض السفارة الأمريكية لما تعرضت له منذ ثلاثة أيام من حصار ومحاولة تكرار سيناريو اقتحام السفارة الأمريكية بطهران في ثمانينيات القرن الماضي، وقد ظهر أبو مهدي المهندس على رأس مجاميع الحشد الشعبي التي اقتحمت المنطقة الخضراء وحاصرت السفارة الأمريكية ببغداد,
ومن جهتها كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعلم أن إيران، التي استثمرت الكثير في وضع اليد على العراق، والسيطرة على جميع مواقع السلطة السياسية والأمنية فيه، أن تسلم بسهولة بفقدانه، لتفقد معه الحلقة الأقوى في منظومة بسط النفوذ الإيراني في هذه الجغرافية العربية المستباحة، في سورية كما في لبنان واليمن، وربما كانت الولايات المتحدة تراهن على ارتكاب حلفاء إيران في العراق في الحشد الشعبي، خطيئة الاعتداء على السفارة، الذي حملت القيادات الأمريكية مسؤوليته مباشرة لإيران..
الطرفان اخترقا في بحر أسبوع جميع الخطوط الحمر، وقطعا جسور العودة نحو فضاء المواجهة الفاترة المتحكم فيها، حيث ليس بوسع إيران أن تغض الطرف على اغتيال الرجل الثاني في القيادة الإيرانية، في وقت تتعرض فيه في الداخل وفي فضاء نفوذها في لبنان والعراق لحراك شعبي رافض لسلوك الهيمنة، واستباحة القيادة الإيرانية لسيادة دول عربية في تناغم واقتسام للأدوار مع قوات الاحتلال الأمريكية للعراق، والتدخل الروسي في سورية، كما ليس بوارد أن تسمح الولايات المتحدة بضياع العراق الذي أنفقت فيه أكثر من خمسة آلاف قتيل من جنودها، وأكثر من ألفي مليار دولار، خاصة بعد خسارتها للمواجهة مع الروس في سورية.
يقينا لن تجازف إيران باستهداف مباشر لقوات أمريكية في العراق والمنطقة، سوف تسمح لترامب بتحشيد الأمريكيين وحلفاء أمريكا لحرب مفتوحة على إيران، ولا يبدو أن حلفاء إيران: الروس والصينيين هما على استعداد للدخول في مواجهة غير محسوبة مع الولايات المتحدة اجتهدوا كثيرا في الأزمة السورية لتحاشيها، وليس بوارد أن ترتكب إيران خطيئة استهداف النشاط النفطي بالخليج الذي قد يؤلب عليها المجتمع الدولي، ويبرر لأمريكا بناء تحالف دولي كالذي أطاح بالمرحوم صدام حسين، وأقصى ما هو متاح لإيران، أن تحرك أذرعها في العراق ولبنان لقتال بالوكالة تسخر له فصائل الحشد الشعبي وحزب الله، والضغط على الحكومة العراقية وعلى البرلمان لفسخ الاتفاقية الأمنية التي تحتاج إلى موافقة ممتنعة للمكونين: السني والكردي.
ردود الأفعال الفاترة للحليفين الروسي والصيني، وغياب ردود أفعال أوروبية، وافتقار إيران لحاضنة أسلامية أو عربية هي في خصومة معها، لا يسمح لإيران بتدبير ردة فعل تكون بالضرورة غير متناسبة مع الحدث ومع موازين القوة، مع رئيس أمريكي قد يراهن على مواجهة مفتوحة مع إيران للفوز بعهدة ثانية، وفي الحد الأدنى توفر فرصة للجم معارضيه من الحزب الديمقراطي، خاصة في حال تعرض الجنود الأمريكيين في العراق أو في المنطقة لهجوم إيراني.