حرائق غابات الجزائر امتحان “سوسيولوجي” مهم يدعو للتفاؤل
قال الدكتور كمال بوقرة أستاذ علم الاجتماع بجامعة باتنة 1، إن الحريق ليس مجرد ظاهرة بيئية تلتهم الغطاء النباتي والممتلكات، وإنما هو حدث اجتماعي استثنائي يعيد، في لحظة خاطفة، ترتيب علاقة الإنسان بالمكان والجماعة والمؤسسات والمستقبل.
ولذلك، فإن انطفاء النار لا يعني انتهاء الكارثة، فثمة حريق آخر يبدأ بعد ذلك، لكنه حريق غير مرئي، يستقر في الذاكرة والوجدان والعلاقات الاجتماعية، ويترك وراءه خوفا جماعيا، وفقدانًا للإحساس بالأمان، واضطرابا في أنماط الحياة، وأسئلة صعبة حول المسؤولية والوقاية والقدرة على حماية الإنسان والمجال”.
الكوارث تكشف طبيعة المجتمع
وأكد أن سوسيولوجيا الكوارث تكتسب أهميتها من هنا، إذ إنها حقل تطور بصورة لافتة في الولايات المتحدة بفعل الخبرة المتراكمة مع الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات والكوارث الكبرى. فقد تجاوز الباحثون الأمريكيون، بحسبه، النظر إلى الكارثة باعتبارها مجرد “حدث طبيعي”، وأصبحوا يدرسونها باعتبارها عملية اجتماعية تكشف في لحظة الأزمة طبيعة المجتمع، ودرجة تماسكه، وكفاءة مؤسساته، وشبكات التضامن داخله، وأنماط توزيع المخاطر والموارد. وأشار الدكتور بوقرة إلى تأكيد “إينريكو كوارانتيللي”، أحد أبرز مؤسسي علم اجتماع الكوارث، أن الكارثة لا تُفهم فقط من خلال العامل المادي الذي أحدثها، بل من خلال الاضطرابات التي تحدثها في التنظيم الاجتماعي والأدوار والمؤسسات وأنماط الحياة اليومية، مضيفا أن “راسل دينز”، طور من المنظور نفسه، مفهوم الاستجابة الاجتماعية للكوارث، بحيث وضح أن المجتمع لا يتحول بالضرورة إلى الفوضى عندما يواجه الخطر، بل قد يعيد تنظيم نفسه بصورة سريعة، فتظهر أشكال جديدة من التعاون وتقاسم الأدوار والمبادرة الجماعية.
الدعم النفسي والاجتماعي يجب أن يكون جزءا من سياسات ما بعد الكارثة
وحسب قراءة التجربة الجزائرية، فإن هذا المعنى بحسب الدكتور كمال بوقرة، بالغ الأهمية، “لأن سكان المناطق التي تضربها الحرائق لا يعيشون فقط مأساة فقدان الأشجار والمنازل والمواشي ومصادر الرزق، وإنما يواجهون اختلالًا في عالمهم الاجتماعي المعتاد”.
“صدمة المكان”… مشهد لغابة محترقة تحمل ذاكرة الأجيال
ويرى المتحدث، أن البيت المحترق ليس ملكية مادية فقط، بل ذاكرة عائلية، والأرض ليست مساحة جغرافية، بل مصدر رزق وانتماء؛ والغابة ليست مجرد أشجار، وإنما جزء من المشهد الذي تشكلت داخله ذاكرة أجيال، إذ إن تدمير المجال بفعل الحريق قد ينتج ما يمكن تسميته “صدمة المكان”، حيث يصبح الفضاء الذي كان مصدرا للطمأنينة شاهدا على الفقد والخوف، وقد يستمر هذا الأثر طويلا، بحسب بوقرة، بعد عودة الحياة الظاهرية إلى طبيعتها، خصوصا لدى الأطفال وكبار السن والأسر التي فقدت بعض أفرادها أو مساكنها أو ممتلكاتها أو أحد مصادر عيشها.
ومن زاوية الصدمة الجماعية، أفاد أستاذ علم الاجتماع، كمال بوقرة، بأن الحريق الكبير لا يصيب أفرادا متفرقين بصورة منفصلة، وإنما يصنع تجربة مشتركة يتقاسمها مجتمع محلي بأكمله، وأن الخوف الذي عاشه الناس أثناء محاصرة النيران، وصور الإجلاء، ومشاهد الدخان والرماد، وفقدان الأفراد الممتلكات، تصبح عناصر من ذاكرة جماعية جديدة، “فلا تصبح معالجة آثار الكارثة مسألة تعويض مالي فحسب؛ فالمال يمكن أن يعيد بناء منزل، لكنه لا يعيد بسهولة الإحساس الذي فقده الإنسان بالأمان، ولا يمحو الصور التي ترسخت في ذاكرته. ومن هنا فإن الدعم النفسي والاجتماعي يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من سياسات ما بعد الكارثة، وليس ملحقًا ثانويًا بها”.
الكوارث والمرونة الاجتماعية طريق لمعرفة مؤسساتية متراكمة
ويرى الدكتور بوقرة، أن الكوارث تكشف كذلك ما يسميه علماء الاجتماع المرونة الاجتماعية، ويعني أن قدرة الجماعة على امتصاص الصدمة، وإعادة تنظيم مواردها وعلاقاتها، واستعادة قدر من الاستقرار، ثم تحويل التجربة إلى معرفة وقدرة مستقبلية على المواجهة، مشيرا إلى التجربة الأمريكية التي تقدم في إدارة الكوارث درسا مهما، فالمجتمع الأكثر استعدادا ليس هو المجتمع الذي يفترض أنه قادر على منع كل كارثة، وإنما المجتمع الذي يمتلك ذاكرة مؤسساتية، وأنظمة إنذار مبكر، وشبكات تطوع، وتخطيطًا عمرانيًا مناسبًا، وتواصلًا فعالًا، وقدرة على التعلم من الكوارث السابقة، وهذه الفكرة قابلة للإسقاط بقوة على الجزائر، حيث ينبغي أن تتحول كل تجربة حريق كبرى إلى معرفة مؤسساتية متراكمة، لا إلى مأساة موسمية تتكرر ثم تختفي من الذاكرة العامة.
حرائق الغابات درس وطني عندما يحول الرماد إلى معرفة
وقال الدكتور كمال بوقرة، إن سوسيولوجيا الحريق، في جوهرها، تنقلنا من سؤال “كيف نطفئ النار؟” إلى سؤال أكثر عمقًا وهو “كيف نبني مجتمعًا أقل هشاشة أمام النار؟”.
وأكد أن المجتمع القوي ليس هو الذي لا تصيبه الكوارث، وإنما الذي يمتلك القدرة على الاستعداد لها، والاستجابة لها، واحتواء آثارها، ثم التعلم منها، إذ أن كل حريق كبير يجب أن يتحول إلى درس وطني في الوقاية، وذاكرة مؤسساتية، ومختبر اجتماعي لإعادة النظر في علاقة الإنسان بالمجال، وفي أنماط العمران، وفي ثقافة المخاطر، وفي منظومات التضامن والثقة مشيرا بالقول “إذا كان اللهب يحرق الأشجار والمنازل، فإن المجتمع يستطيع أن يمنع الكارثة من إحراق مستقبله؛ وذلك حين يحول الرماد إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والخوف إلى استعداد، والمأساة إلى بناء مؤسساتي أكثر عقلانية وقدرة على حماية الإنسان والأرض”.
وأنهى موضحا أن المجتمع الجزائري يختزن في ذاكرته وفي وجدانه الوطني كل هذه العناصر، وهو يختزن طاقة اجتماعية كبير، واحتياطي إنساني عظيم يحتاج فقط إلى مأسسته وترشيده.