حقائب بلا حكومة !
لم أفهم إلى حد الآن، كيف لشخص أن يقبل بوظيفة، لا عمل فيها، وكيف يمكنه أن يتقاضى راتبا منتفخا، وهو لم يؤد أي عمل كان، وكيف يقبل بأن يُسمى وزيرا وهو كلما حلّ بمكان، نزل عليه الوِزر والوَزر.
إنه حال حكومة السيد نورالدين بدوي التي صار أفرادها يتحرّكون في الظلام، بحثا عن الأمان، بعد أن رفض المواطنون زياراتهم، ليس لشخصهم، وإنما لمثل هذه الزيارات الاستعراضية التي ملّها الناس، والتي كانت على مدار أكثر من نصف قرن تستهلك المال والجهد والوقت ولا تقدّم أي خدمة للمواطنين، الذين صاروا يبحثون عن الحلول الحقيقية من الرجال الأكفاء، وليس الزيارات الاستعراضية التي تداول عليها المئات من الوزراء منذ الاستقلال.
يعلم الجزائريون جميعا بأن زمن الزيارات الاستعراضية و”التدشينات” ووضع حجر الأساس قد ولّى منذ ثلاثة عقود في كل بلاد العالم، خاصة بعد أن انهار المعسكر الشرقي، ويعلمون بأن العمل الجاد لا يحتاج إلى هذه البهرجة والكرنفالات، التي حوّلت بعض الزيارات إلى مسخرة حقيقية، إلى درجة غلق الطرقات وتوقيف العمل وشلّ الحياة بالكامل من أجل زيارة رئيس أو وزير أول، كما كان يحدث في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، عندما كان في كامل قواه البدنية والعقلية، وفي عهد الوزير الأول السابق عبد المالك سلال.
لقد كانت الوزارة في الجزائر دائما تشريفا لصاحبها ولأهله وأصدقائه، يطير بها إلى عوالم المال والامتيازات، ولم تكن أبدا تكليفا يدفعه للبذل والاجتهاد، باعتراف كثيرين ممن حملوا هذه الحقائب الحريرية المليئة بمال ريع النفط، فيوزعوه على الأقربين والخلان، ولكنها الآن في زمن الوزير الأول الحالي، ما عاد فيها، لا تشريف ولا تكليف، ولا ندري إن كان هؤلاء الذين اختارهم بدوي لما يسمى بتصريف أعمال هي في الأصل غير موجودة، سيضعون بعد عمر طويل في سيرتهم الذاتية، “وزيرا سابقا” لم يمارس الوزارة أبدا، ولا ندري إن كان الأمر سيتواصل من دون أن يمارس هؤلاء المسؤولية الحقيقية التي تجعلهم يرمون الاستقالة على مكتب من اختارهم دون غيرهم، ويعودون إلى بيوتهم ما دام الأمر سيان، بين البيت ومقر الوزارة.
نتابع في كل بلاد العالم بما فيها البلاد العربية ودول العالم الثالث، كيف يستقيل وزراء بسبب أعمال فاشلة اجتهدوا لأجلها ولم ينجحوا، ولا يستقيل وزراء عندنا لم يعملوا أصلا ولا نقول عملوا وفشلوا. وإذا كانت الذاكرة الجزائرية لم تسجّل منذ الاستقلال ومع تعاقب الرؤساء، وزيرا واحدا في أي قطاع قدّم للجزائر ما تستحقه من جهد ومن إبداع، فإن الحكومة الحالية ستدخل التاريخ، ولن ينسوها أبدا لأن أفرادها حملوا حقائب من دون حكومة، واستوزروا من دون وزارة وساروا في اتجاه غير اتجاه مسيرات الشعب، في خطين متوازيين لا يلتقيان …. أبدا!.