حكاية سر الزيت
حينَ لامسَ الغلافُ الخلفيُّ وجهَ الكتابِ، طويتُ صفحاتٍ مغامرةٍ جاشتْ معها أحاسيس متلاحقة بينَ سطورٍ تضِجُّ بالحياة. وتبعثُ الأمل فيما جفَّ منْ عروقٍ عندَ أطراف الوقتْ. ترفعُ أشرعتها نحوَ السماءِ لتحلقَ بينَ سحاباتِ الانتظارْ، تيقنتُ أن الرسالةَ قدْ لامستْ جدرانَ السجنِ مطليةً بزيتٍ بنكهةِ أم روميّ وجذورِها المتأصِّلةِ في عمقِ الأرض. غلافٌ معتقٌ كزيتٍ هوَ قوتُ الأملْ. لروايةِ أسيرٍ حرٍّ يقاومُ عتمَةَ الزنازينِ منذُ ثلاثةٍ وثلاثينَ عامًا توّجَ نزْفَ مِدادِهِ بِـ “حكايةِ سرِّ الزيتْ”، سرٌ لنْ يعرفَ أبعاده إلا منْ حُرِمَ الحريّةَ وذاقَ قهرَ الأسر..
وتعدُّ الروايةُ الأولى الموجّهَةُ للأطفالِ واليافعينَ ضمنَ ما يطلقُ عليهِ بـ”أدبِ السجون”.وهوَ “أدبٌ نضاليٌّ ثقافيّ إنسانيّ” يسعى الأسرى الفلسطينيون في معتقلاتِ الاحتلالِ “الإسرائيلي” لاحترافهِ كـ”ميدانٍ جديدٍ يكسرونَ بهِ ظلمةَ السجونِ وعتمةَ الزنازينْ”، يعبّرونَ منْ خلالِهِ عنْ معاناتهِمْ وعذاباتهمْ وتحديهمْ لقساوةِ ظروفهمْ داخلَ أقبيةِ السجونْ, ينثرونَ عزيمةً صلبةً لا تنكسرْ. ليصرخوا صرخةً واثقةً بأنهمْ “أسرى بأجسادِهمْ لا بفكرهمْ وأرواحهم، يمدّونَ الأحرارَ بالحياةِ، فهمْ الأحياءُ الأحرارُ حتى خلفَ القضبانْ “.فَنَزَفَ قلمُ وليد بمدادٍ عصيٍّ حينَ قالْ:” اكتبُ حتى أتحرر منَ السجنِ على أمل أن أحرره مني”.
تدورُ “حكايةُ سرُّ الزيتْ”، تحتضنُ سطورُها خمسٌ وتسعونَ صفحةً منَ القَطْعِ المتوسّطِ الصادرةِ عنْ “مؤسّسةِ تأمر للتعليمِ المجتمعيّ”، حولَ طفلٍ في الثانيةَ عشرةَ منْ عمْرِه.. ذكيٌّ متَّقِدَ القريحَةِ اسمُهُ جودْ, أزهر منْ نطفةٍ امشاجٍ جعلتْ لحياةِ والدهِ طعمًا بنكهةِ الحريه.. انتزعَها حينَ أشرقت الحياةُ منْ بينِ هدبيْهِ ليقولَ للغاصبِ انا هنا خلقتُ رغمًا عنكَ وعنْ قيدكْ.. جود الطفلُ الذي تخطى كلَّ الحواجزِ لأجلِ أن يرى والدَهُ في أسرهِ، واتبعَ وصيةَ “أمّ روميّ” شجرةَ الزيتونِ التي اجْتثَ جذورَها الاحتلالُ ليغرسَها في ارضٍ بعيده.. كانتْ لهُ قنديلَ الزيتِ الذي انارَ دربَهُ ليحلِقَ بتفاصيلَ صغيرةٍ تلائمُ عمرَهُ الغضّ فتخترقُ جدرانَ الحقيقةِ حينَ تغلفتْ بالصمودِ والإرادةِ والاملْ.. كأنما كانَ وليدُ طفلًا بهيئةِ جود الصغيرِ يعيشُ مغامرةً قاسيةً ومثيرةً في آنْ… لقدْ نسجَ وليدْ دقّه أمله الوليدَ حينَ اعتلى صهوةَ مغامرةٍ حلقتْ بنا إلى عالمٍ أعمق منْ سطورِها المقروءَةِ إلى عُمقٍ خلفَ المقروءِ بأبعادْ.
حكايةٌ تدورُ تفاصيلُها بينَ الطفلِ جودْ وأصدقائه الحيواناتْ, ثمّ شجرةَ الزيتونِ “أمّ روميّ” وعمرُها 1500 عام, متجذرَةً معمرةً ليقولَ للعالمِ أننا هنا منذُ فجرِ التاريخِ بتاريخْ، فمَنَحَتْهُ هذهِ الشجرةُ سرّها المتمثلِ بالزيتِ المقدّسِ الذي جعلَهُ غيرَ مرئيٍّ بعدَ أنْ مسحَ جسدَهُ بهِ، الأمرُ الذي ساعدَهُ وأصدقاءه على تجاوزِ كلِّ الحواجزِ العازلة ِوالوصولِ إلى والدهِ في زنزانتِه. لتبلُغَ الحكايةُ ذروتَها، حينَ شعرَ الأبُّ بأنّهُ يسمعُ صوتَ ابنِهِ الصغيرِ كأنّما يدورُ في راسِهِ فقطْ، حينَ ناداه قائلاً: “أنا جود يابا , جود “.