-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“حماية المدرسة من الأدلجة”.. حقٌّ يُراد به باطل!

“حماية المدرسة من الأدلجة”.. حقٌّ يُراد به باطل!

كلما علا صوتُ دعاة المدرسة الأصيلة بالإصلاح التربوي السليم، في إطار تكريس أبعاد الهوية الوطنية والحضاريّة للأمة، وغرس قيم الانفتاح الإنساني، وتطوير المناهج التعليمية وعصرنتها، استجابةً للتحولات التي تشهدها البيداغوجية عبر العالم، إلا ورفع تيّارُ التغريب الفرنكوفيلي شعار: “لا لأدلجة المدرسة”… وهو في حقيقة الأمر مجرد حقٍّ يُراد به تثبيتُ باطل.
إن المغالطة في أحكام هؤلاء تنطلق من تجاوز مفاهيم المدرسة وعلاقتها بالتربية والعلمويّة وصلتها بالأيديولوجيا، لأنّ القوم يقدِّمون كل مواقفهم الشاذّة على أنها “معرفة نهائيّة” مسلّمٌ بها، بينما ما يصدر عن الطرف الآخر يبقى محض آراء فكريّة فصائليّة، ولو كان يعبِّر عن الإرادة الجمعيّة للمواطنين.
الأصلُ، أن المدرسة تعبِّر عن كيان الأمة وضميرها وانتمائها، إذ تكوِّن الناشئة وفق مقومات الهوية بكل معالمها الدينية واللغوية والثقافية والتاريخية، ولا حياد بهذا الخصوص، لأنه سيحرفها عن طبيعتها ويحيلها إلى مراكز تكوين تقني لصناعة آلات بشرية، في أحسن الأحوال، إن لم تتحول إلى قلاع للانسلاخ، بينما هي مشتلة حضارية قاعديّة لصياغة الإنسان وجدانيّا ونفسيّا وعقليّا وفكريّا في إطار الخصوصية، زيادة على مهامها التعليمية المحايدة.
ما المقصود إذن بحياد المؤسسة التربوية عندما يشهر هؤلاء شعار: “لا لأدلجة المدرسة”؟ هل ستكون محايدة مثلا تجاه القيم الدينية والأخلاق الإسلامية والأحكام الشرعية باسم “التسامح”؟! هل ستُحذف النصوصُ القرآنية من مناهجها باسم “تقبّل الآخر”؟!
لو نقدِّم الفكرة من الزاوية الأخرى، فنسأل هؤلاء: ماذا يعني إقحامُ الكثير من مواد التربية المدنية (الانتخابات والديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين المرأة والرجل والحريات والثقافة الجنسية والتعايش… إلخ)؟ أليست كلها تجليات أيديولوجيّة باسم “المشترك القيمي الإنساني المعاصر”؟ مع أنها في كثير من الحالات انتهاكٌ صارخ للخصوصيّات الحضاريّة تحت وقع المركزيّة الغربيّة.
لمَ يدافع هؤلاء، بكل شراسة، عن إدماج “القيم الحداثية العولميّة” في التعليم ثم ينكرون على المدرسة الجزائرية تكريس الأبعاد الوطنية للهوية؟
إن التكوين العقلي الأساسي للتلميذ ينبثق عن تصوُّر خاص للكون وللإنسان وللحياة وما بعدها من عالم الآخرة، وهو ما يقع في صلب أيديولوجيا المجتمع المسلم، كما أنه يكرِّس القيم الأخلاقية والمثل العليا ضمن إطار المرجعية النهائية للأمة، بمعنى أن الإيديولوجية كرؤية حضارية عامة لا مناص منها في أي مجتمع، ورفضها يتعلق فقط بمحاربة الفكر الطائفي والحزبي داخل المؤسسات العمومية.
إذا عدنا إلى النقاش المتجدِّد حول الإصلاح التربوي، فإنه ينبغي الفصل الكامل بين الحديث في ملف المناهج والطرائق ومقاربات التكوين بكل تجاربها ومدارسها العالمية، وبين قضية المحتوى والرسالة والمستهدفات النهائية للتعليم، فالأول مجالٌ واسع للاجتهاد والانفتاح والاستفادة من الخبرات الإنسانية، بينما تظل الثانية مقيدة بـ”الرؤية الوطنية” ومشروع المجتمع ضمن مرجعيّة أول نوفمبر المجيد وأدبيات الحركة الوطنية ودستور الدولة الجزائرية وقوانينها.
وبهذا الصدد، يندرج إجراء زحزحة الفرنسية في الطور الابتدائي إلى السنة الرابعة في سياسة التخطيط اللغوي البراغماتي ضمن استشراف مستقبلي لأجل مصلحة الأجيال الناشئة، إذ بات المرور إلى الانتقال اللغوي وإعادة ترتيب اللغات الأجنبية في بلادنا ضرورة يمليها الواقعُ العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والسياحي والإنساني على الصعيد الكوني.
الغريبُ في هذا الإصلاح، أن يتبنّى دعاة المدرسة الوطنية الانفتاح على اللغة الإنجليزية، ليس نكاية في الفرنسية كما يتوهم أنصارُها، بل من باب التكيّف مع تحولات العصر، في حين يسعى الفرنكوفيليون الأصوليّون، بكل قواهم، لأجل الإبقاء على الوضع اللغوي القائم، ولو كان أعرجَ، خدمةً لمصالحهم الفئوية الضيقة على حساب مستقبل الوطن، ثم لا يتورَّعون عن إشهار فرية “حماية المدرسة من الأيديولوجيا” في وجوه الإصلاحيين.
في هذه الحالة الموضوعيّة جدًّا، من يجرُّ النقاش التربوي إلى ساحة الأيديولوجيا؟ هل هم المنافحون، ضمن تدريس اللغات الأجنبية، عن استبدال “لغة آيلة إلى الزوال” علميًّا باللغة العالميّة الأولى في الإنتاج المعرفي والتواصل الإنساني؟ أم المتشبِّثون بموروث استعماري لم يَعد صالحًا للانتفاع به إلا على نطاق محدود جدا؟
عودًا على بدء، نقول لتيّار الأقليّة في بلادنا، إنّ الأيديولوجيا ليست منبوذة في ذاتها، بل هي مرجعية المدرسة في رسالتها التربويّة، وهي في الحالة الجزائرية أيديولوجيا الثورة التحريرية بقيمها النوفمبريّة وأيديولوجيا الدولة الوطنية المكرَّسة في دساتيرها وتشريعاتها وسياساتها، أمّا المرفوضُ منها، فهو أيديولوجيّاتُ الأقليّات والجماعات بكل صورها الحزبية والعرقية والثقافية والفكرية واللغوية، مهما تدثرت وراء الشعارات البراقة أو تمترست خلف القوى الخارجيّة لفرض أجندتها التغريبيّة على الأغلبية بأدوات السلطة السياسية خارج آليات الشرعيّة الشعبّية.
كفّوا عن البهتان والتضليل، لأنّ آراءكم الاستلابيّة ليست من العلم في شيء، بل هي الأيديولوجيا نفسها، لكنها أيديولوجيا وافدة على البيئة التاريخية والحضارية للأمة، أما تجنُّدُكم اليوم لكبح مسار الانتقال اللغوي فهو جهدٌ عبثيّ، لأنه ليس في مقدوركم توقيفُ عجلة التاريخ في تقدُّمه نحو الأمام، إنكم الماضي بكل مآسيه الاستعمارية، فلا يمكنكم مواجهة المستقبل التحرّري.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!