حياة الدبلوماسيين مقابل مواقف الجزائر!
يلفّ عملية الإعلان عن إعدام الدبلوماسي الجزائري، الطاهر تواتي، الكثير من الغموض والضبابية، فالتنظيم الإرهابي المسمى “التوحيد والجهاد” امتنع عن بث شريط فيديو “يُثبت” حقيقة بيانه وتصريح ناطقه الرسمي عبر شبكة الانترنيت، وتؤكد عدة معطيات ومؤشرات، أن في إصدار البيان وإعلان الإعدام، الكثير من نقاط الظل وعلامات الاستفهام والتعجب.
تؤكد أوساط متابعة للملف، أن الجزائر لم تدخر أي جهد لتحرير الدبلوماسيين المختطفين في مالي وإنقاذ حياتهم، وليس بالضرورة الإعلان في مثل هذه الحالات الاستثنائية والحرجة والمعقدة، عن “أسرار” المساعي والتحركات، فواجب التحفظ، ومنطق السرّ والكتمان، يصبح خطة استراتيجية لتفادي التشويش على مسعى إنقاذ رهائن في حالة خطر.
يرى مراقبون، أنه ليس من الأفيد، في مثل هذه الظروف، الشروع في محاكمات استعراضية، للدبلوماسية، أو هيئات أخرى، لأن الخفي، قد يكون أهم وأثقل من المُعلن عنه عبر وسائل الإعلام والقنوات والبيانات الرسمية.
إن عملية اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين في مالي، حتى وإن كان ظاهريا تمّ من طرف التنظيم الإرهابي المنشق عن “القاعدة” والمسمى “حركة التوحيد والجهاد”، فإن متابعين، يعتقدون أنه من الحتمي البحث عن الخلفيات والظروف المحيطة بالعملية، وما تبعها من طلب للفدية وابتزاز ومقايضة وتهديد بالتصفية!
يرى خبراء، أن عملية الاختطاف، تهدف أيضا إلى ليّ ذراع الجزائر وكسر مواقفها، سواء بخصوص مبدئها من تجريم دفع الفدية للإرهابيين، أو، بشأن الأحداث المأساوية والتطورات الدامية، الحاصلة بمنطقة الساحل، وتحديدا بشمال مالي، كامتداد لما حدث بليبيا، وما رافقها من عمليات لتسريب الأسلحة الثقيلة والذخيرة الحربية.
حتى وإن تبنـّت “التوحيد والجهاد” عملية اختطاف الدبلوماسيين الجزائريين، وأعلنت في بيان مفخخ تصفية أحد الرهائن، بعد ما نجح مسعى الإفراج عن ثلاثة من المختطفين، في وقت سابق، فإن ملاحظين لا يستبعدون تواطؤ وتورط “أياد أجنبية” معادية لمواقف الجزائر ومصالحها، في استغلال الانزلاق بمالي لتهديد الجزائر وتقويض مواقفها ومساعيها لحلحلة الأزمة بالطرق السلمية ودون تدخل عسكري، من باب احترام سيادة الدول وعدم انتهاك استقلالها ووحدتها الترابية.
لم يعد خافيا، حسب ما سجلته دوائر مراقبة للوضع في المنطقة، منذ عدة أشهر، محاولات مخابر دول معروفة، تارة لصوملة الساحل، وتارة لأفغنته، وتارة أخرى لعسكرته، قصد الضغط على الجزائر تحديدا، وهو ما بدأ الشروع في تنفيذه، من خلال إقامة قواعد عسكرية، مثلما حدث في ليبيا بعد نجاح “الثورة” تحت الرعاية السامية لقوات “الناتو”، وذلك كبداية لـ”السيطرة” على المنطقة ونهب ثرواتها، وأيضا لمحاصرة وتلغيم ظهر الجزائر التي كانت ومازالت ترفض الانخراط في عملية تفتيت الساحل وضرب استقراره تحت غطاء محاربة “القاعدة” وملاحقة فلولها!
لا يُمكن الآن، وبسرعة، وضع كلّ النقاط على الحروف، وإضاءة كلّ زوايا الغرفة المظلمة، في ما يتعلق بالأهداف الخفية لاختطاف الدبلوماسيين، والضغط بهم على الجزائر، والبيان الغريب المتضمن الإعلان عن إعدام أحدهم، وقبل ذلك، ملابسات ميلاد “حركة التوحيد والجهاد” وانشقاقها عن “القاعدة“، وتركيز أهدافها الإرهابية في حق الجزائر، وهو ما تضمنه بيانها الأخير، عندما هددت الجزائريين بتفجيرات انتقامية!
ليس سرّا أو بدعة، عندما يربط مراقبون ما يجري في مالي، بما جرى في ليبيا، وفي كلا الحالتين، من حقّ الجزائر وواجبها، تأمين حدودها البرية، وضمان استقرار وأمن المنطقة، وهو الهدف الذي تشكلت لأجله “هيئة الأركان المشتركة”، لكن شركاء فيها لم يلتزموا بالميثاق، وأرادوا ترك الجزائر وحدها في مواجهة “أخطبوط“ لا ينبغي مواجهته بخيار “اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا ههنا قاعدون“!