حين خرج التاريخ من الأدراج ودخل زمن الدولة
من مجلس الأمة، بيت الحكمة والرصانة، انتقلت الذاكرة من حقل الخطاب إلى مجال القانون، ومن منطق التأجيل إلى فعل السيادة، فلم يكن الثاني والعشرون من جانفي 2026 تاريخًا عابرًا في رزنامة العمل البرلماني، بل لحظة فاصلة في علاقة الدولة الجزائرية بتاريخها. ففي هذا اليوم، لم يُولد نص قانوني فحسب، بل خرج تاريخ كامل من حالة التعليق والانتظار، وانتقل من رفوف الذاكرة المؤجلة إلى فضاء القرار السيادي.
لقد غادرت الذاكرة منطقة الرمزية الأخلاقية والمطالب النخبوية، ودخلت زمن الدولة، حيث تُدار بالسيادة، وتُؤطَّر بالقانون، وتُخاطَب بها المنظومة الدولية بلغة الحقوق لا العواطف.
إن اعتماد مشروع قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر بين 1830 و1962 لا يُقاس فقط بمضمونه، بل بدلالته العميقة: انتقال الذاكرة من كونها ملفا مؤجَّلًا إلى كونها رافعة قانونية وأخلاقية للدولة.
وهو تحول يعكس نضجًا سياسيًا في التعاطي مع التاريخ، وإدراكًا بأن بناء الدولة القوية لا يكتمل دون مصالحة عادلة مع الماضي، قائمة على الحقيقة والمسؤولية، لا على النسيان أو التكييف.
من الذاكرة المؤجلة إلى القانون المؤسِّس
ظلّ مطلب تجريم الاستعمار حاضرًا في الوعي الوطني منذ فجر الاستقلال، حمله المجاهدون والمثقفون والحقوقيون، وطارحت به قوى سياسية في محطات متعددة، لكنه اصطدم طويلًا بجدار التأجيل، تحت وطأة حسابات داخلية دقيقة واعتبارات دبلوماسية جعلت من “إدارة العلاقة” مع فرنسا أولوية تتقدم على حسم ملف الذاكرة.
هكذا نشأت مفارقة طويلة الأمد: دولة مستقلة سياسيًا، لكنها مترددة في تحويل ذاكرتها الاستعمارية إلى موقف قانوني صريح؛ تاريخ موثّق بالأرشيف والشهادات، لكنه غير مُقنّن تشريعيًا، إلى أن كسر العهد الرئاسي الحالي هذا النسق، ونقل ملف الذاكرة من منطق التكيّف مع الإرث الاستعماري إلى منطق مساءلته، ومن الحذر إلى القرار السيادي الواضح.
فالقانون الجديد لا يعيد فتح التاريخ، بل يعيد تنظيمه داخل منطق القانون، ويُخرج الذاكرة من الهشاشة إلى الحصانة، ومن الجدل إلى التأسيس.
استعمار إحلاليّ… لا “رسالة حضارية“
يُثبّت القانون حقيقة طالما حاول الخطاب الاستعماري تمييعها: ما وقع في الجزائر لم يكن تمدينًا، بل استعمارًا استيطانيًا إحلاليًا، قام على الإبادة، والنفي، ومصادرة الأرض، وتفكيك المجتمع، ومحاولة اقتلاع الإنسان من لغته ودينه وتاريخه.
منذ إنزال القوات الفرنسية سنة 1830، واجه الجزائريون الغزو بمقاومة شاملة ومنظمة. الأمير عبد القادر، الذي أسس دولة حديثة في قلب الحرب واحترم قوانين الحرب والأسرى، يجسّد هذا التناقض الصارخ بين مشروع تحرري أخلاقي ومشروع استعماري مارس سياسة الأرض المحروقة، والخنق في الكهوف، والحرق الجماعي.
وتتوالى حلقات العنف مع مقاومات أحمد باي، وبوعمامة، ولالة فاطمة نسومر، والمقراني والحداد في ثورة 1871، وصولًا إلى إبادة الأغواط سنة 1852، التي ترقى، وفق المفاهيم القانونية المعاصرة، إلى جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان.
العنف المقنَّن: حين يصبح القانون أداة اضطهاد
لم يكن الاستعمار الفرنسي عنفًا عسكريًا فقط، بل عنفًا قانونيًا منظّمًا. فقد شُيّدت منظومة تشريعية عنصرية، صودرت بها الأراضي الجماعية، وحوربت اللغة العربية والتعليم الحر، وفُرض “قانون الأهالي” الذي جرّد الجزائري من صفة المواطن ووضعه خارج أي ضمانة قضائية.
ويمثل هذا النظام، بمقاييس القانون الدولي المعاصر، نموذجًا للاضطهاد المنهجي والفصل العنصري، بلغ ذروته في مجازر 8 ماي 1945 بسطيف وقالمة وخراطة، حيث قوبلت مظاهرات سلمية بإبادة جماعية استعملت فيها مختلف أسلحة الاستعمار الوحشية.
من الإصلاح إلى القطيعة: حين استحال الوعي مشروعَ تحرر ومهّد الطريق لميلاد نوفمبر
وأمام انسداد الأفق وتصلّب النظام الاستعماري، لم يعد الوعي الوطني مجرّد رد فعل أخلاقي، بل تحوّل إلى مشروع تحرر شامل. فقد قادت النخب الإصلاحية، وفي طليعتها جمعية العلماء المسلمين بقيادة عبد الحميد بن باديس، معركة الهوية والتعليم والتحرر الثقافي، دفاعًا عن الشخصية الوطنية في وجه سياسات الطمس والاقتلاع. وبموازاة ذلك، بلور رجالات الحركة السياسية، من مصالي الحاج إلى محمد خيضر وحسين آيت أحمد وفرحات عباس وغيرهم، مسارًا نضاليًا انتقل تدريجيًا من مطلب المساواة داخل المنظومة الاستعمارية إلى القطيعة النهائية مع وهم الإدماج، وإلى التأسيس لمشروع وطني جامع يستعيد السيادة كاملة غير منقوصة.
في هذا السياق، جاءت ثورة أول نوفمبر 1954 لا كفعل انفعالي أو مغامرة معزولة، بل كتتويج لتراكم تاريخي طويل، ومحكمة تاريخية لنظام استعماري فقد كل شرعية أخلاقية وقانونية. وقد ردّت فرنسا على ثورة شعبية مشروعة بحرب شاملة ضد المدنيين، استُعملت فيها كل أدوات العنف الممنهج: تعذيب ممنهج، إعدامات خارج القانون، اختفاءات قسرية، محتشدات جماعية، أسلحة محرّمة، ألغام وأسلاك مكهربة، قبل أن يتجسّد إرهاب منظمة الجيش السري OAS بوصفه التعبير الأخير والأكثر فجاجة عن جوهر مشروع استعماري لم يعرف يومًا لغة غير العنف.
بهذا المعنى، لم يكن نوفمبر قطيعة مع الماضي فحسب، بل خلاصة وعي تاريخي ناضج، حسم أن الاستقلال لم يعد احتمالًا تفاوضيًا، بل قدرًا تصنعه الشعوب حين تُغلق في وجهها كل أبواب العدالة.
جرائم مستمرة… ومسؤولية قائمة
ما يمنح هذا القانون ثقله النوعي هو توصيفه لجملة من الجرائم بوصفها جرائم مستمرة الآثار: التفجيرات النووية في رقان وعين إكر وما خلّفته من تلوث إشعاعي عابر للأجيال، الألغام التي لا تزال تحصد الأرواح، استعمال الأسلحة الكيميائية، الاختفاءات القسرية، نهب الأرشيف والممتلكات التاريخية، والاحتفاظ برفات قادة المقاومة.
إنها جرائم لا يسقط حق الاعتراف بها بالتقادم، ولا تُلغى آثارها بالصمت، وهو ما يجعل من القانون مرجعية وطنية تُحمّل الدولة مسؤولية السعي إلى جبر الضرر عبر المسارات القانونية والسياسية المشروعة.
رئيس الجمهورية: ذاكرة الدولة وركيزة السيادة الوطنية
لا يمكن قراءة هذا القانون خارج الرؤية التي أرسى معالمها رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، منذ بداية عهدته، حين أعاد ملف الذاكرة إلى مكانه الطبيعي باعتباره ملف سيادة بامتياز، لا قضية عاطفية أو ورقة تفاوضية عابرة.
ففي سابقة سياسية ودستورية ذات دلالة عميقة، تم دسترة الذاكرة الوطنية وجعلها عنصرًا مكوِّنًا من مكونات السيادة، بما يعنيه ذلك من التزام دائم للدولة بحمايتها، والدفاع عنها، ونقلها من جيل إلى جيل كجزء من الأمن الوطني الرمزي والمعنوي.
لقد أنهى هذا الخيار الرئاسي عقودًا من التردد والتسويف، حيث ظل ملف تجريم الاستعمار رهينة حسابات ظرفية وتقديرات دبلوماسية ضيقة، أفضت إلى تجميده أو الالتفاف عليه. أما في عهد الرئيس الحالي، فقد انتقلت الذاكرة من منطقة الحرج إلى فضاء القرار، ومن منطق التأجيل إلى منطق الحسم الهادئ، فكان القانون ثمرة مسار سياسي واعٍ، لا رد فعل انفعالي، ويؤكد أن الدولة الجزائرية قررت أخيرًا مصالحة سيادتها مع تاريخها، وبناء علاقة ندّية مع الآخر، قوامها الحقيقة والاعتراف، لا النسيان المفروض ولا الصمت الموروث.
ولا يقتصر التزام الرئيس بالمشروع الوطني على التشريع وحده، بل امتد إلى الأفعال العملية الرمزية، حيث أشرف شخصيًا في الاحتفال بعيد الاستقلال سنة 2020 على استرجاع رفاة 24 من أبطال المقاومة الشعبية كدفعة أولى، بعدما ظلت رهينة “متحف الإنسان” في باريس لمدة تزيد على 170 عام. وتدل الحقائق التاريخية على أن عدد رفات المقاومين الذين لا تزال فرنسا تحتفظ بهم قد يصل إلى أكثر من 600، من بينهم 37 قائدًا تصدوا لبدايات الاحتلال الفرنسي بين 1838 و1865، قبل أن يتعرضوا للتعذيب، وتقطع رؤوسهم، وتُنقل إلى فرنسا. بهذا الفعل، جسّد الرئيس تبون أن حماية الذاكرة الوطنية ممارسة سيادية حقيقية، وحق للشعب، واستكمال للعدالة التاريخية، مؤكدًا أن ملف الذاكرة لم يعد شأنًا رمزيًا أو تأويليًا، بل خيار دولة واستراتيجية وطنية متكاملة، لا تقبل التأجيل أو التسويف.
مجلس الأمة: حين تتحول الذاكرة إلى تشريع دولة
تكتسب هذه اللحظة التشريعية معناها الكامل من خلال الإطار الذي احتضنها: فبعد صورة الإجماع التي رسمها نواب المجلس الشعبي الوطني حول هذا النص القانوني من حيث اقتراحه ابتداء والتصويت عليه انتهاء، جاء الدور على مجلس الأمة، غرفة الحكمة والرصانة.
فإحالة النص على هذا المجلس لم تكن إجراءً شكليًا، بقدر ما كانت محطة مؤسسية عميقة الدلالة، أخرجت القانون من منطق العاطفة إلى منطق الدولة، ومن الخطابة إلى الصياغة المحكمة.
في مجلس الأمة قُرئت الذاكرة بعين التاريخ، ونوقشت بعقل القانون، وضُبطت ببوصلة المصلحة الوطنية، في مسار تجويدٍ رفع من مناعة النص، ووحّد مطالبه الجوهرية، وعلى رأسها حصرية مطلب الاعتراف الرسمي الصريح بحقيقة الجريمة الاستعمارية.
وفي هذه المحطة، برز دور رئيس مجلس الأمة، السيد عزوز ناصري، رجل القانون والدولة، الذي أدار النقاش بحكمة واتزان، جامعًا بين صرامة النص وروح المسؤولية، ومكرّسًا صورة المجلس كميزان للمصلحة العليا، لا منبرًا للشعبوية أو الإثارة.
لقد وفّر رئيس مجلس الأمة مناخًا مؤسساتيًا راقيًا، سمح بارتقاء النقاش من مستوى الانفعال المشروع إلى مستوى التأسيس الرصين، فكان المجلس، تحت قيادته، فضاءً لتجويد النص، وتوحيد مقارباته، وتحقيق إجماع وطني حول جوهره.
وهو بذلك كرّس صورة مجلس الأمة كصمام أمان تشريعي، يحمي القوانين السيادية من التسرع، ويمنحها العمق الذي يليق بها.
من الجزائر إلى العالم: الذاكرة التزام قانوني
لا يأتي القانون الجزائري خارج السياق الدولي، بل ينسجم مع تجارب مقارنة اعتمدت “قوانين الذاكرة” لحماية الحقيقة التاريخية ومنع تبييض الجرائم الجماعية. وهو، بهذا المعنى، ممارسة سيادية مشروعة، لا تستهدف شعبًا ولا تُخاصم حاضرًا، بل تُجرّم منظومة استعمارية، وتُعيد تسمية الأشياء بأسمائها كما تفرضه العدالة التاريخية.
إن الجزائر، وهي تُقنّن ذاكرتها، لا تنكفئ على جراحها، بل تخرج بها إلى العالم في صيغة واثقة: شراكة نعم، نسيان لا؛ مستقبل مشترك، لكن على أساس الحقيقة لا الإنكار.
تدويل ملف الاعتراف بجرائم الاستعمار: الجزائر في الطليعة
وإدراكًا من الجزائر بأن جريمة الاستعمار لم تكن حكرًا على حدودها الجغرافية، بل مأساة قارية تحمل آثارًا ممتدة على شعوب إفريقيا، أخذت بلادنا على عاتقها مسؤولية قيادة المسعى الجماعي للاعتراف بهذه الجرائم وتدويل مطلب العدالة التاريخية. فقد قادت الجزائر، موازاة مع المسار التشريعي الوطني، جهدًا إفريقيًا واعيًا لتوسيع دائرة تجريم الاستعمار، وإبراز أثره القانوني والأخلاقي على القارة بأسرها، ليس فقط على المستوى الرمزي، بل عبر أدوات عملية تضبط العدالة التاريخية وتحمّي الذاكرة الجماعية.
وقد تكلل هذا المسعى بقيادة الجزائر للاجتماع الدولي حول جرائم الاستعمار في إفريقيا، الذي أسفر عن اعتماد “إعلان الجزائر” كمرجعية إفريقية موحّدة. ومن أبرز مخرجاته تبني اقتراح رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بتخصيص يوم 30 نوفمبر يومًا إفريقيًا لتكريم شهداء وضحايا تجارة الرق، والاستعمار، والتمييز العنصري، إلى جانب حزمة من الآليات العملية لضمان صون الذاكرة، الوصول إلى الحقيقة، وتحقيق العدالة.
بهذا الدور القيادي، لم تقتصر الجزائر على حماية ذاكرتها الوطنية، بل أرسَت نموذجًا للقارة بأسرها، مؤكدًة أن التزام الدولة بالاعتراف بالجرائم التاريخية والتعاطي معها عبر القانون ليس شأنًا محليًا فحسب، بل واجبًا جماعيًا لإرساء أسس العدالة والذاكرة المشتركة في إفريقيا والعالم.
خاتمة: حين يحرس القانون الذاكرة
لم تنقل الجزائر ذاكرتها إلى رحاب القانون طلبًا للثأر، بل لإكمال العدالة، وتثبيت الحق في أبهى صوره. لم تُشرّع جراحًا جديدة، بل سمت الجراح القديمة بأسمائها، وأحاطتها بإطار المسؤولية التاريخية، لتصبح من صلب السيادة الوطنية. بهذا القانون، تؤكد الدولة أن حماية الذاكرة جزء لا يتجزأ من حماية سيادتها، وأن مواجهة التاريخ ليست ضعفًا، بل دليل نضج الدولة وقوتها، وإرادة شعب لا يساوم على حقيقته.
خرج التاريخ من الأدراج، ودخل زمن الدولة، ليس لغلق الماضي بتمزيقه، ولا لفتح المستقبل بتزويره، بل ليؤسس لعلاقة ندّية مع التاريخ، وعلاقة واعية مع العالم، ترتكز على الحقيقة، وتظلّلها الذاكرة، ويحرسها القانون، ويؤطرها مشروع دولة قوية.
هكذا، تصبح الجزائر مثالاً حيًا لدولة تكتب تاريخها بيدها، وتجعل منه رافعة للسيادة، ومصدر قوة واستقرار، ورسالة لكل الأجيال: الذاكرة محفوظة، العدالة مضمونة، والسيادة صمام الأمان الذي يحمي حاضر الأمة ومستقبلها.