-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

حين يُجلد الناجح في مجتمع مأزوم!

بقلم: اسية عثمانية
  • 524
  • 0
حين يُجلد الناجح في مجتمع مأزوم!

تابعتُ باهتمام بالغ، وبألم لا يقلّ عنه، التعليقات الجارحة والساخرة التي طالت أحد التلاميذ المتفوقين في شهادة التعليم المتوسط 2025، بسبب طريقة كلامه وارتباكه الطبيعي في لحظة إعلامية مفصلية، تحوّلت فيها فرحة نجاحه إلى موجة تنمُّر واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم تسلم زميلته أيضا الحاصلة على أعلى معدل وطني، من حالة الاستغراب العلني، لا لضعف تحصيلها أو سلوكها، بل لعدم ارتدائها الحجاب. وهكذا، بدل أن نُصفّق للتفوُّق، بدأنا نحاكمه: صوتًا، ومظهرًا، وقرارًا شخصيًّا.
هذه ليست حوادث معزولة. إنها مؤشرات صادمة على اهتزاز بوصلة القيم في مجتمعٍ بات يقدّم “الترند” على التقدير، و”الفرجة” على الفكر. فما الذي يجعل مجتمعًا ما يُعاقب المتفوِّقين، ويستسهل إطلاق الأحكام على قاصرين لمجرّد أنهم ظهروا على الشاشة وهم يحملون ثمار سنوات من الجدّ؟

المجتمعات تخشى المختلف
إذا عدنا إلى التاريخ، سنجد أن المجتمعات –عبر العصور– كثيرًا ما خافت من المختلف، أو من الذي يكسر النمط. الفيلسوف سقراط أُعدِم لأنه حرّض الشباب على التفكير خارج السياق الرسمي. أينشتاين، حين هاجر إلى الولايات المتحدة، لم يُهمَّش فقط كعبقري، بل حُذّر منه أيضًا، لأن أفكاره “تهدّد النظام التعليمي التقليدي”. نرى النمط ذاته يتكرر اليوم: طفلٌ متفوِّق لا يُهاجَم بسبب نقص، بل لأن أداءه لا يوافق “توقعات الجمهور”.

التقدير أولًا لا المظهر
في أنظمة تعليمية رائدة مثل فنلندا وكندا، يُعامَل التلاميذ المتفوقون باعتبارهم ذخيرة وطنية، يُحاطون بالدعم النفسي، ويُحصَّنون تربويًّا من كل أشكال التنمُّر. في فنلندا، مثلًا، تُقام لقاءاتٌ أسبوعية في المدارس لتوعية الأطفال حول “قوة الكلمة”، ويُمنع قانونيًّا نشر صور أو فيديوهات للتلاميذ من دون موافقة أوليائهم. لأنهم ببساطة يدركون أن الأذى النفسي قد يكون أكثر خطورة من أي تقصير دراسي.

حين نحمّل الطفل مسؤولية إرضاء المجتمع، بدل أن نعلّمه كيف يرضى عن نفسه، فإننا نُربّي جيلاً هشًّا، مترددًا، خائفًا من الظهور، مستعدًّا لأن يُضحّي بتميُّزه في سبيل القبول. وهذا، في حدِّ ذاته، هو قتلٌ بطيء للموهبة، وضربٌ مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص.

أما عندنا، فما زلنا، للأسف، نمارس عنفًا علنيًّا موجهًا لا ضد المخطئين، بل ضد المتفوِّقين. عنف لا يُمارَس بالسوط، بل بالهاشتاغ، والصورة المقطّعة، والنكتة السّامّة، والتعليق المستهزئ.

تربية على “الصواب المجتمعي”
حين نحمّل الطفل مسؤولية إرضاء المجتمع، بدل أن نعلّمه كيف يرضى عن نفسه، فإننا نُربّي جيلاً هشًّا، مترددًا، خائفًا من الظهور، مستعدًّا لأن يُضحّي بتميُّزه في سبيل القبول. وهذا، في حدِّ ذاته، هو قتلٌ بطيء للموهبة، وضربٌ مباشر لمبدأ تكافؤ الفرص.
التلميذ المتفوّق يجب أن لا يُحاكَم بسبب نبرة صوته أو ارتباكه، والتلميذة المجتهدة ينبغي أن لا تُدان بسبب قرار شخصي لا علاقة له بتحصيلها. لقد كنا نحتاج إلى لحظة وعي وطني للاحتفاء بالاجتهاد، لا لحظة قطيعة أخلاقية تجلد المختلف.

ماذا بعد؟
علينا أن نعترف: التنمُّر الإلكتروني اليوم صار ظاهرة بنيوية، لا تعالَج بالصمت، بل بمراجعة عميقة لثقافة المجتمع، لدور المدرسة، وللأسرة، وللإعلام. نحتاج إلى حملات توعية وطنية تُعيد الاعتبار لقيمة النجاح، وتُربي النشء على احترام كل من بذل جهدًا وصعد درجات السلم رغم العوائق.
وليس هذا ترفًا فكريًّا، بل ضرورة تنموية؛ فالبلدان التي تبني نخبها، تحميها أولًا. أما التي تتركهم عرضة للمساءلة الشعبوية، فإنها تخسرهم في أول منعطف، وتدفع ثمنًا غاليًّا من كفاءاتها ومستقبلها.
إننا بحاجة إلى أن نقف، كمجتمع، مع كل تلميذ اجتهد، كل طفلة أبدعت، كل مراهق تفوّق، لا لنُمجِّدهم فحسب، بل لنُذكّر أنفسنا أن الأمل لا يأتي إلا من أولئك الذين لم نمنحهم الثقة، لكنَّهم آمنوا بأنفسهم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!