خبايا رفع السرية عن أرشيف التحقيقات القضائية للثورة
خلف قرار السلطات الفرنسية رفع السرية عن أرشيف “التحقيقات القضائية”، التي تمت خلال الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي، جملة من التساؤلات حول خلفية هذا القرار الذي جاء في ظرف كثير الحساسية.
وجاء القرار الفرنسي بعد يومين من زيارة وزير أوروبا والشؤون الخارجية، جون إيف لودريان إلى الجزائر، بعد أزيد من شهرين من أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، على خلفية تصريحات غير محسوبة للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون.
مناورة خطيرة تستهدف خلط أوراق الجزائريين
وقرأ مراقبون في الخطوة الفرنسية “مناورة” من أجل تحقيق أهداف غير معلنة، وربطت أوساط مختصة بين هذا القرار وبين السباق المحموم بين المترشحين المحسوبين على اليمين واليمين المتطرف، للانتخابات الرئاسية في المستعمرة السابقة.
الخطوة الفرنسية تعتبر من منظور المؤرخ محمد الأمين بلغيث، المختص في العلاقات التاريخية بين الجزائر وفرنسا، “مناورة يتعين التعامل معها بحذر كبير”، لما لها من أهداف تبدو غير ظاهرة، لكنها في الواقع “محاكة بإحكام من أجل تحقيق أغراض تخدم المستعمرة السابقة، ولا تخدم المصلحة الوطنية”.
وكانت وزيرة الثقافة الفرنسية روزلين باشلو، قد أعلنت قرار الحكومة الفرنسية برفع السرية عن أرشيف “التحقيقات القضائية”، وقالت باشلو لمحطة “بي إف إم تي في” الجمعة : “أفتح قبل 15 عاماً أرشيف التحقيقات القضائية لقوات الدرك والشرطة حول حرب الجزائر”، وهي تشير في الأدبيات التاريخية للجزائر إلى الثورة التحريرية المظفرة بين 1954 و1962.
وإن بدت الخطوة الفرنسية على قدر كبير من الجرأة بالنظر إلى الماضي الاستعماري الإجرامي لممارسات الاحتلال الفرنسي في الجزائر، كونها تعتبر نافذة باتجاه انكشاف جرائم الجيش الاستعماري، و”بداية النظر إلى الحقيقة مباشرة” وفق المسؤولة الفرنسية، إلا أنها ومع ذلك تنطوي على مخاطر، مثل تشويه بعض الرموز الثورية وفي مقدمتها الشهيد البطل، العربي مهيدي.
وقال محمد الأمين بلغيث: “أولا ينبغي التأكيد على شيء، وهو أن القرار الفرنسي الأخير يخص مسألة واحدة، وهي المتابعات القضائية للوطنيين، وهذه مدروسة عند القضاة الفرنسيين الذين عايشوا تلك المرحلة. يفترض أن فتح الأرشيف المتعلق بالمتابعات القضائية للوطنيين خلال الثورة يكون في عام 2039، وبالنسبة لملفات الحركى تفتح في 2045.. إلا أنه تم تسبيقه.. لماذا؟”.
ويضيف المؤرخ الذي قضى خمس سنوات دارسا بجامعة السوربون الفرنسية: “ما هو مؤكد هو أن الفرنسيين لن يقدموا على أي قرار إلا وفق حسابات، لذلك أعتقد أن القرار الأخير ليس له من هدف سوى التشويش على الجزائريين. أنت تعلم انه منذ الاستقلال إلى غاية اليوم هناك جيلان لم يشاركا في الثورة..”.
وبرأي المؤرخ المعروف: فإن “الفرنسيين ومن خلال قرارهم الأخير، يريدون إفساد السردية الموجودة عندنا بخصوص بعض الشخصيات الثورية التي تكاد تقترب في ذاكرة الجزائريين من درجة القداسة.
فملف العربي بن مهيدي في الأرشيف الفرنسي، يصور الشهيد على أنه شخص منحرف، في حين أن الرجل كان شخصا أمثاله قليلون من حيث الاستقامة والثبات.
وكذلك الشأن بالنسبة للمناضل عبان رمضان، الذي يقدم بصورة سيئة وهو على العكس من ذلك تماما”.
ويعتقد بلغيث أن الفرنسيين وفي ظل الحملة الانتخابية للرئاسيات الفرنسية، يبحثون عن وسيلة لخلط أوراق الجزائريين. أنا درست في السوربون وأعرف الفرنسيين. إنهم يحسنون فرز الملفات وترتيبها.. وهم يتلاعبون بالملفات من اجل الحرب النفسية لا غير”، وفق ما صرح به لـ”الشروق”.
وتساءل المؤرخ إن كان القرار الفرنسي الأخير سيفرج عن أرشيف محاكمات شبكة جونسون ومحاكمات الكدية، مشددا على أنه “يجب الحذر، ثم الحذر عند قراءة الوثائق التي تم الكشف عنها”، مستبعدا أن يكون القرار هدفه تمكين الجزائريين من أرشيف الثورة، وإلا لِم حرم الباحثون من التأشيرات التي تمكنهم من الوصول إلى الأرشيف الموجود في فرنسا.