خضراء بإذن الله
هناك مصائب من الصعب تجرّعها، خاصة إذا أفضت إلى نهاية حياة الكثير من الكائنات، والدمار الذي تسببه الحرائق في حياة النباتات والحيوانات وطبعا الإنسان، هو مصيبة مضاعفة لا يمكن بعدها سوى أن نتلو: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.
وفي الوقت ذاته، هناك مصائب يمكن أن تعوَّض فيها حياة بحياة، وبسمة بابتسامات، وشجرة بغابات، وعصفور بسرب من الطيور، وقطرة ماء بمحيطات من عذب الغيث…
الدمار الذي حدث لغاباتنا هو بالتأكيد في معظمه بفعل فاعل، نقرُّ فيه لهذا الفاعل، أنه فهم ما يمنحه الأخضر من راحة بال لأبناء الوطن، فطعنهم حيث تقرُّ العين، ونعترف له بوحشية لا تختلف عن الهمجية والإرهاب.
وعندما تكون المصيبة بفعل فاعل، فإن الفاعل يجب أن يُعاقَب، والذين غرسوا هذه الهكتارات التي جرى تدميرها بإمكانهم أن يغرسوا أضعافا مضاعفة، ففعل الحرق سهلٌ وردُّ الفعل بالغرس أسهل، ولا يمكن للنار أن تنتصر، بل ويمكن لها أن تكون بردا وسلاما على أهل الجزائر.
منذ تسعة أشهر، شهدت الجزائر حملة وطنية كبرى للتشجير تحت شعار “خضراء بإذن الله”، جرى فيها غراسة قرابة مليون ونصف مليون شجرة، بطريقة علمية، وتحوّلت الحملة إلى “ترند” الموسم، نقلته منصّات عربية وعالمية، وبعد أربعة أشهر من نجاح التجربة، عاودت الجزائر حملة مضاعفة بغراسة خمسة ملايين شجرة، وكتبت الصحافة العالمية عن هذه “الثورات الخضراء”، التي تزامنت مع غيث استثنائي منّ به الله على مختلف ربوع الوطن، رسم في الربيع الماضي أروع لوحات الخضرة التي تغنَّى بها الجزائريون جميعا.
تعلّمنا ونحن تلاميذ في المدارس أن نسمي الغابات “الثروة الغابية”، وهي في الحقيقة أهم من الثروات النفطية والمنجمية الزائلة، وأمتعتنا الغابة دائما بحضنها المنعش، وحفظنا منذ الصغر أن أخضر العلم الجزائري إنما هو رمزٌ لغاباتنا، فصار من الطبيعي أن نرتبط بالثروة الغابية ونعلن لأجلها ثورة غابية، وصار من الطبيعي أن يترصّدنا الأعداء في قرة العين… غاباتنا.
انتهت فترة الحداد وعرفنا الفاعل والدافع، وحان وقت الردّ، وعندما يكون الردّ مقرونا “بإذن الله” كان الأخضر مضمونا، بدرجة الاعتماد على إذن خالق الفسيلة والشجرة والغابة وجنة النعيم.
ما حدث في صيف 2026 هو إرهابٌ لا يختلف عن سواد عشرية النار، وما يجب أن يحدث هو تحدٍّ لا يختلف عن تحدي سنوات الاستعمار وسنوات الإرهاب والفساد، من خلال حِراك أخضر، ينتصر للخير، ويهزم عُبّاد النار، أو مجوس الشرّ، الذين عرفوا أن الخير يبدأ من الأخضر فحاولوا تسويده.
أمام الجزائريين متَّسع من الوقت والأمل، من أجل بعث مشروع أخضر يدخل التاريخ العالمي، يلتقي فيه مشاهير الكرة بالتجار، ورجال الفكر برجال الأعمال، والبطالون بالأطباء، والصغار بالكبار، في ثورة كبرى لا تُبقي فيها للنار لهيبا، ولا تذر.
والذين قهروا الاستعمار والإرهاب، لن يخيفهم مجوس العصر الحديث.