خواطر.. وتساؤل
بعث قائد قوات الاحتلال الفرنسي “بيجو” برسالة إلى المجاهدين الملتفين حول الأمير عبد القادر يدعوهم فيها إلى التخلي عن الأمير والاستسلام لجيش فرنسا مقابل السلام، فأجابوه برسالة جاء فيها “الأولى لكم أن تعمروا بلادكم التي أتيتم منها ونشأتم فيها، وأما بلادنا فليس للاستيلاء عليها من سبيل، وهب أنكم استوليتم عليها ومكثتم فيها ثلاثمائة سنة، فلابد من أن تخرجوا منها كما خرج الذين من قبلكم، وتمسوا كأمس الذاهب والدهر هكذا واهب ناهب!”.
لقد ضربوا للاستعمار الفرنسي موعدا مع التاريخ أقصاه ثلاثة قرون فحقق لهم أحفادهم ذلك في أقل من نصف المدة!
فأين يكمن سر ثقتهم في أجيالهم ويقينهم من أنها ستحرر بلادها سواء طال الزمن أو قصر؟!
إن السر يكمن في اطمئنانهم إلى قيم الإسلام المتأججة في الضمائر والنفوس والتي ستتواصل عبر هذه الأجيال هي التي ستدفعها حتما إلى الجهاد والتحرر، لأن هذه القيم تتنافى مع الضعف والخضوع والذل والهوان، فهي ـ بتعبير الفيلسوف بوتراندرسل ـ “النقيض المنافي”، أي أنها طرف في معادلة إذا حضر انتفى الطرف الثاني حتما من غير حاجة إلى دليل أو برهان!
ترى.. لو سألنا نحن اليوم أنفسنا عن مصير أجيالنا القادمة، منطلقين من واقعنا بكل أبعاده ولا تناقضاته، ومن الوضع الحضاري العام الذي يشهده العالم من حولنا، مع الفارق أننا نحن اليوم لا نعاني من استعمار تقليدي مباشر وإنما نعاني مشكلات التخلف وضغوط العولمة، وبتعبير مباشر نقول: هل تدعو صلة جيلنا الناشئ بمنظومة قيمه الدينية والوطنية إلى الاطمئنان أم أن هناك مؤشرات تبعث على التوجس والخوف من اضطرابها؟!
هذا، إذا سلمنا، بناء على ما تقدم، بأن الخطر الخارجي مهما يكون كبيرا ليس هو الذي يهدد كيان المجتمع بالتصدع إذا كان موحدا متمسكا بمرجعيته، لكن الذي يهدده هو خطر داخلي يفرزه هذا الكيان نفسه.
إن الرصد الدقيق لواقع مجتمعنا يكشف عن اهتزاز في مرجعيته الدينية والحضارية، فهذه المرجعية لم تعد- بالتعبير الحديث – هي مصدر التلقي الوحيد للجميع، في مجال القيم الدينية والثقافية التي تشكل الشخصية المتميزة للمجتمع؛ والدليل على ذلك وجود اتجاهين بارزين متناقضين كلاهما غريب ودخيل على بيئة الجزائر وشخصيتها الحضارية، الاتجاه الأول يمثله دعاة التغريب المولعون بالنموذج الغربي للمجتمع، ورواد هذا الاتجاه تكوّنوا تكوينا بعيدا عن مناخهم الحضاري الأصيل، فتأثروا بمنهجية التفكير الغربي وبفلسفته الخاصة ونظرته المتميزة إلى الكون والإنسان والحياة.
ولا يخفي ما لهذا الاتجاه من تجذر وتأثير في واقعنا السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فقد نجح إلى حد كبير في تكريس أحادية اللغة (الفرنسية) في مجالات حساسة عديدة جعلت من الجزائر رهينة حضارية مسجونة في هذه اللغة المفروضة من دون سائر لغات العالم المقرونة اليوم بالتقدم العلمي والتكنولوجي.
ففي مجال الثقافة مثلا فرض على الجزائر الدوران في فلك ما أبدع بهذه اللغة لا غير فحرمت بذلك من العطاء الفكري والعلمي والفني والثقافي الإنساني العام المدون بغيرها من لغات العالم؛ هذا فيما يخص الانفتاح على الآخر، أما بالنسبة للتواصل مع الذات فقد أحدثت هذه اللغة المفروضة قطيعة لنا مع تراثنا الوطني في بعديه العربي والأمازيغي الذي صاغته لغة القرآن الكريم التي تبناها الجزائريون، منذ الفتح الإسلامي الأول، لغة للعلم والحضارة.
وفي مجال الإدارة فرضت هذه اللغة على القائمين بشؤونها الدوران والتشبث بالموروث عن الإدارة الاستعمارية من أنها التسيير والعزلة التامة عن التجارب المتطورة الرائدة في العالم؛ وكذلك الأمر في مجالات التشريع والقانون والدبلوماسية. إن تكوين دبلوماسيينا باللغة الفرنسية وحدها لم يحرمهم فقط من التفتح على ما عند الغير، بل حرهم – إلى جانب ذلك – من تمتين الروابط بين الجزائر وبين الكيان العربي الإسلامي وتعزيز الجسور الممتدة بينهما منذ قرون!
وأما الاتجاه الثاني فيمثله أولئك الذين يمكن أن يشملهم جميعا اسم “النصّيّون” لأنهم، على تعدد فروعهم وتسمياتهم، يشتركون جميعا في إلغاء العقل الذي وهبه الله سبحانه للإنسان ليجتهد من أجل الوصول إلى الفهم الصحيح للدين ولمقاصد شريعته وفق ما تمليه سنة التطور والتجديد؛ فهم لا يميزون بين ماهو من جوهر الدين، خالد بخلوده، ملزم لكل مسلم في أي عصر وجيل، وبين ماهو مجرد نمط من أنماط العيش أملته ظروف بيئية اجتماعية وحضارية يزول بزوال أصحابه؛ لقد استوردوا مناهج في ممارسة الدين هي أصلح للبيئات التي نشأت فيها وأكثر توافقا وانسجاما مع طباع المجتمعات التي أفتاها علماؤها بمقتضاها؛ كما أحيوا من بطون الكتب فقها لم يعد صالحا للعصر الذي نعيشه وللمنطق الذي تفرضه طبيعة الحياة فيه، وهكذا شاعت فتاوى مهجورة، الباعث إلى إحيائها هو حب التميز والصدارة والزعامة.
إن فكر هؤلاء دخيل على المجتمع الجزائري، غريب وافد عليه، ليس له أي سند في مرجعيته الدينية والثقافية والحضارية وليس له أي امتداد في تاريخه القديم أو الحديث أو أي حضور في تراثه الفقهي المتراكم عبر الأجيال والعصور؛ فالجزائر عاشت دائما الإسلام عقيدة وأحكاما وقيما ومبادئ وآدابا، في عقد الأشعري ومذهب الإمام مالك والتصوف السني على طريقة الجنيد السالك، ما جعلها تجسد مدرسة الاعتدال والوسطية!
إن هذين الاتجاهين المتناقضين كلاهما يؤمن بأنه يحمل مشروع مجتمع ويعمل من أجل تحقيقه وأن المستقبل كفيل بتأييده!