داعش المعوقة لمسار التقسيم
إعادة رسم حدود سايكس بيكو بالدم في العراق والشام، لم يعد مشروعا أمريكيا صهيونيا صرفا بالنظر إلى سلوك بعض القوى الإقليمية من جيران العرب، وتورّط روسيا لم يعد خفيا لا في سورية ولا في العراق.
ومع أن الولايات المتحدة تبقى المتهم الأول، مع وجود أدبيات كثيرة حول تقسيم المقسّم صادرة عن مؤسسات “الثينك ثانك” الصهيونية منذ أواسط التسعينيات، فإن الدور الذي تلعبه اليوم كل من إيران وتركيا، ومعهما روسيا، في التمكين لتقسيم سورية والعراق، قد منح للمشروع فرصاً حقيقية للنجاح، لولا ظهور “داعش” كطرف منفلت متمدد، يسوّق نفسه كقائد مخلص للعرب السنة.
الروس الذين يئسوا منذ بداية 2014 من فرص استعادة التوازن العسكري للنظام السوري، يشتغلون مع حلفائهم الإيرانيين على تثبيت ودعم سيطرة النظام على العاصمة دمشق ومدن الساحل، التي تضمن للروس الحفاظ على القاعدة العسكرية البحرية في طرطوس، ويضمن لإيران فرص التواصل مع ذراعها العسكري والسياسي: حزب الله.
وعلى خلاف ما يسوقه إعلام ما يسمى بقوى الممانعة، فإن الكيان الصهيوني لن يقبل بقيام هكذا كيان سني بقيادة داعش، له تواصل جغرافي مع الإقليم العربي السني في الأردن والسعودية، يضع المنطقة بأسرها في حالة حرب مستدامة، قد تنسف كل ما تحقق منذ تبريد الصراع العربي الصهيوني، وترويض المقاومة الفلسطينية، لأن العدو الأول والأخير للكيان الصهيوني وحلفائه ليس إيران ولا حزب الله، ولا حتى الفصائل الفلسطينية الحالية وهي في أرذل العمر بلا أفق، بل إن أكثر ما يخشاه الصهاينة أن تتحول “داعش” إلى خيار بديل للفلسطينيين في الضفة وغزة وعموم الشتات، وإعادة إحياء شعار “تحرير فلسطين من النهر إلى البحر” تحت راية إسلامية قادرة على استقطاب الجهاديين من كل فج عميق.
الإيرانيون بدورهم سوف يعتبرون قيام إقليم سني بقيادة يصفونها بـ“التكفيرية” على طرفي الحدود السورية العراقية خسارة إستراتيجية كبرى، لا تعوّضها سيطرتهم الكاملة على بغداد، ومستقبلا على الإقليم العَلوي بالشام، مع ما يشكله من تهديدات لمحمياتهم بالعراق والشمال السوري، مخاوف تلتقي مع مخاوف الأمريكيين على مستقبل “الدولة” الجديدة التي يرعون قيامها في إقليم كردستان.
جميع القوى الدولية والإقليمية كما نرى، لا تمانع في تقسيم العراق وسورية، لولا ظهور “داعش” التي أعادت خلط أوراق اللعبة، ببسط سيطرتها على عموم المساحة التي كان يُحضّر لها لتحتضن إقليما سنيا صرفا، تتقاسمه المعارضة السنية العلمانية والإسلامية المعتدلة في سورية، مع بقايا الصحوات السنية العشائرية في العراق.
هذا الاستشراف المبكّر للتطورات التي حصلت مع ظهور “داعش” هو الذي يفسر تقاطع مصالح جميع الأطراف الدولية والإقليمية في خوض قتال مشترك ومتضامن ضد “داعش” ليس لأنها تنظيمٌ إرهابي، فهناك تنظيمات إرهابية عديدة في المنطقة لا تحاربها، بل لأنها باتت تشكل المعوق الأول لمشروع التقسيم الذي توافق عليه ضمنيا جميع الأطراف المتصارعة كمخرج لأزمات الشرق الأوسط المعقدة، وربما كمقدمة لتسوية القضية الفلسطينية عبر حلّ الدولتين كما يريده الصهاينة: كيانٌ يهودي خالص في فلسطين التاريخية، وكنفدرالية فلسطينية أردنية يُرحّل إليها عربُ فلسطين.