-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دروس وعبر من قصّة يونس (2)

سلطان بركاني
  • 657
  • 0
دروس وعبر من قصّة يونس (2)

من دروس قصّة يونس –كذلك- أنّ العبد المؤمن ينبغي له ألا ييأس أبدا من هداية من يدعوهم وينصحهم، مهما طال الزّمن، ومهما كان العناد؛ فهاهم قوم يونس –عليه السّلام- على كثرتهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر لأكثر من 30 سنة؛ حين أراد الله هدايتهم، آمنوا جميعا وصلحت حالهم؛ فالدّاعي إلى الله النّاصح لله مأجور على دعوته، ومثاب أكثر على صبره، والهداية منحة ربانية يضعها الله حيث يشاء برحمته أو بعدله.
إذا ابتلي إمام المسجد –مثلا- بمحيط لا يجد فيه إلا الصّدود والإعراض والإصرار، فليصبر ولا ييأس أبدا من صلاح الأحوال وإقبال القلوب، ومهما وجد النّاس زاهدين في الدروس والمواعظ، فلا يتخلّ عن واجبه في الدّعوة والتعليم، فلأن يهدي الله به قلبا واحدا يأتي يوم القيامة في ميزان حسناته خير له من الدّنيا وما فيها.. وإذا بلي الزّوج المسلم بزوجة ناشز، فينبغي له ألا يملّ من السّعي في إصلاحها.. وإذا ابتلي الأب المؤمن بأبناء نادّين عن طريق الهداية، فليصبر على نصحهم وعتابهم ومحاولة إصلاحهم، مستعينا بالله، آملا أن يحدث الله بعد ذلك أمرا…

والله يعلم وأنتم لا تعلمون
من دروس قصّة يونس –كذلك- أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن يرضى بما يختاره الله له في هذه الدّنيا ويطمئنّ، فمهما بدا للنّفس أنّ الطّريق من دون فائدة، فليكن على يقين من أنّ ما يختاره له العليم الخبير –سبحانه- هو خير له ممّا تريده نفسه، لأنّه –سبحانه- يعلم الغيب وأحاط بكلّ شيء علما، ((وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون)).. قال أحد السلف: “إني أدعو الله في حاجة، فإذا أعطاني إياها فرحت مرة، وإذا لم يعطني إياها فرحت عشر مرات؛ لأن الأولى اختياري، والثانية اختيار الله علام الغيوب”.

وكذلك ننجي المؤمنين
من دروس قصّة يونس –عليه السّلام- أنّ المولى –سبحانه- يتولّى عباده الصّالحين، ويربط على قلوبهم، ويجعل لهم من كلّ ضيق مخرجا، ومهما انقطعت الأسباب والحيل، فإنّ الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السّماء. يحتاج العبد –فقط- إلى حسن ظنٍّ بمولاه الكريم، وإلى تضعّف وافتقار معه دعاء يخرج من القلب قبل أن يتحرّك به اللّسان. ولعلّ من أفضل الأدعية التي كتب الحنّان المنّان أن يفرّج بها كربات عباده ويقضي بها حاجاتهم، هذا الدّعاء الذي دعا به نبيّ الله يونس -عليه السّلام- وهو في بطن الحوت. يقول النبيّ –صلـى الله عليه وسلم-: “دعوة ذي النون، إذ دعا وهو في بطن الحوت: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”؛ فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له” (رواه الترمذي)، ويقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضـي الله عنه-: “عجبتُ لمن أصابه همٌّ أو كربٌ، كيف لا يقول: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين””.. وكيف لا يجيب الحنّان المنّان –سبحانه- دعاءً بدأه صاحبه بهذه الكلمات، وهو سبحانه القائل: ((وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِين)).
يُروى أنّ شابا اتّهم بجريمة لم يقترفها وأودع السّجن ظلما، وفي فترة سجنه، تقدّم أحد الشيوخ ليلقي محاضرة في السجن، وعندما انتهت المحاضرة أخذ الفتى يبكي ويؤكد للشيخ أنه مظلوم وأنه لم يرتكب الجريمة التي اتّهم بها، فنصحه الشيخ بأن يكثر من ترديد دعاء نبيّ الله يونس -عليه السّلام- بخشوع وحضور قلب، فهو من الأدعية التي تفك الكرب وتزيل الهمّ، وبالفعل حرص الشابّ على ترديد الدعاء، ولم يمر أسبوعان حتى ثبتت براءته من الجريمة وخرج من السجن بفضل الله ثمّ بفضل هذه الكلمات: ((لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِين)).

فلولا أنّه كان من المسبّحين
من دروس قصّة يونس -عليه السّلام- أيضا أنّ العبد المؤمن ينبغي له أن يسعى ليدّخر لنفسه أعمالا صالحة لأيام الشدّة والبلاء، فلا أنفع للعبد عند حلول البلاء بعد فضل الله من عمل صالح خالص لوجه الله يحرص عليه العبد ويواظب عليه، ولهذا قال المولى –سبحانه- في قصّة نبيّه يونس عليه السّلام: ((فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون)).. ولعلّ من أشهر القصص التي تشير إلى أثر العمل الصّالح في كشف البلايا وتفريج الكروب قصّة الشّباب الثلاثة الذين أووا إلى كهف في جبل اتقاءَ المطر، فنزلت صخرة عظيمة فسدّت باب الغار، فقال بعضهم لبعض إنّه لا ينجيكم من هذه الصّخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم؛ فدعا أحدهم ببرّه والديه، ودعا الثّاني بعفّته عن الحرام، ودعا الثّالث بحرصه على حفظ الأمانة، فانزاحت الصّخرة وخرجوا يمشون بفضل الله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!