-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

دفع تكلفة العدوان

الشروق أونلاين
  • 1295
  • 0
دفع تكلفة العدوان

من الطبيعي أن يكون هناك اختلافات داخل المؤسسة العربية الرسمية إزاء قضايا متعددة سياسية واقتصادية، بخلفيات متباينة، وهو أمر مرتبط بطبيعة الأشياء والظواهر، ضمن ذلك جرت “العادة” أحيانا أن يتواجد ناظم يحدد سقف ترجمات وتعبيرات هذا الاختلاف، بما في ذلك عدم تجاوز القضايا الأخلاقية، أما ما نراه في هذه الفترة داخل هذه المعادلة فقد تجاوز كل الحدود بمسلكيات ومواقف غير مسبوقة في تاريخ العلاقات العربية، بكل ما تتخللها من مآسي في بعض المراحل: أن تشارك دولة عربية، أو أكثر، بجوار قوات الحلف الأطلسي أو بجوار الدول الاستعمارية، أو الدعوة المستميتة لشن حرب عدوانية لتدمير دولة عربية “شقيقة”، فهو أمر غير طبيعي يدعو إلى دراسة من نمط جديد لجذور نشأة وتكوين عدد من دولنا، والعلاقة المقررة مع العامل الخارجي. لماذا هذا المستوى من الحقد على الدولة السورية، ولماذا هذا المستوى من حب الانتقام والتدمير.

في مقدمة التفاعلات التي رافقت المبادرة الروسية وقبولها من قبل القيادة السورية حول مخزون السلاح الكيماوي في سوريا وآلية التخلص منه، كانت تلك الصدمة القوية التي وقعت على رؤوس عدد من المسؤولين في بعض العواصم العربية من أولئك الذين باتوا يدعون الإدارة الأمريكية جهارا لشن الحرب العدوانية على سوريا، وهو معطى ليس بجديد بل بدأ مع بداية الأزمة السورية أي قبل أكثر من عامين ونصف، وكانت وتيرة هذا المطلب تعلو كلما فشلت تلك الطوابير المسلحة المرسلة في عمودها الفقري من الخارج عبر الحدود من جوانبها الأربعة، في تحقيق الأهداف المسجلة، وهذا لا يعني بأي حال الإساءة للمعارضة الوطنية السورية التي لا زالت ترفض التدخل الخارجي في الشأن السوري وترفض طبول العدوان الأمريكي على بلدها وشعبها. من الواضح أن ما أنجزته تلك الطوابير المسلحة من تدمير جزء رئيسي من المدن والبلدات والقرى السورية، وفي البناء التحتي وعلى كل المستويات، وهي نتائج مفزعة..

لكن كل ذلك لم يشف غليل أولئك القادة، مع ملاحظة أن الدولة السورية وعلى افتراض توقف جنون التدمير الآن لن تستطيع الوقوف على أقدامها لفترة يصعب تحديدها، فالشعب السوري بكل فئاته الاجتماعية الوطنية هو الخاسر، من شاهد الجلسة العلنية لمؤتمر وزراء الخارجية العرب الأخير والذي صدر عنه بيان مبايعة العدوان المفترض على سوريا، يلاحظ مدى توتر بعض وزراء الخارجية في مداخلتهم بدعوتهم للآخرين لتبني هذا العدوان وكأنهم في معركة مصيرية، بطبيعة الحال ليس حبا في الشعب السوري كما يدّعون، إنه حب الانتقام المرتبط بحسبة سياسية إقليمية وتبعية للقرار الأمريكي.

هل يعقل أن تعلن بعض بلدان مجلس التعاون الخليجي، تبعا لتصريح أكثر من مسؤول في الإدارة الأمريكية، استعدادها لتسديد فاتورة وتكلفة هذه الحرب العدوانية، ولم يكتفوا بمسلك التضخيم الهادف إلى شراء الأسلحة الغربية والأمريكية تحديدا بعشرات المليارات على مدار العقود الماضية بحجة “التصدي للعدوان الخارجي أو للخطر الإيراني”، هكذا تكون المساهمة الفعالة في استمرار عمل ركن أساسي من الاقتصاد الأمريكي وهي مصانع أدوات القتل.

إن تبديد ثروات شعوبنا في إنتاج أدوات قتل فئات واسعة منها أو لتدمير دول بأكملها، بل وتهديد شعوب المعمورة ومصالحها في سبيل أن تبقى هذه الدول الاستعمارية مهيمنة أو متحكمة في الاقتصاد العالمي ونهب خيرات الشعوب وتطويقها بحزام الديون والقروض من مؤسساتها “الدولية”، والتي تعجز عن تسديد فوائدها لأجيال غير محددة كما هو حال العديد من البلدان الإسلامية والعربية ودول أمريكا اللاتينية، عدا عما ينتج من أشكال التبديد والتبذير الأخرى. إن شعوبنا لها الحق في الحياة، وهي أحق ألف مرة بثرواتها من كافة أشكال التبديد والتبذير، بدلا من إنعاش اقتصاد هؤلاء الاستعماريين.

لماذا لا تصب هذه الثروات في صالح الاقتصاديات الوطنية في بلداننا عوضا عن إبقائها خاضعة في معظمها لتبعية تلك الدول أو مجرد قطاع خدمات لها، لماذا لا يصار إلى التصدي لأسباب وعوامل الفقر الذي يعاني منه عشرات الملايين من شعوبنا، ألا يعتبر الإعلان عن وجود 92 مليون أمي في العالم العربي فضيحة وواقعة تنذر بالخطر، أم أن تشجيع ودعم الحروب ضد عدد من شعوبنا هو العلاج. هناك ألف لماذا تطول كافة مناحي التبديد لثروات دولنا، لكن شعوبنا لا تنسى حقوقها، أو من يظلمها ويسمسر على خيراتها، أثبتت حركة الشارع العربي أن لا أحد من هؤلاء سوف يفلت من عقابه.

يصعب تفسير هذه الوتيرة العملية من الحقد ومن التبعية، سوى أنها الترجمة لخيار سياسي تكمن مصلحته الشاملة في معاداة المقاومة بشقيها الوطني والإسلامي، والخوف على تلك المصلحة من المناخات ونوع الوعي الذي تنتجه المقاومة ومفاعيلها المتعددة، في هذا السياق تأتي صناعة التقسيم الطائفي والفتنة الحقيقية واستثمار ذلك في تحويل الاهتمامات الوطنية والقومية والاقتصادية من التصدي للعدو الحقيقي إلى العدو الافتراضي، بالتالي تشتيت وحدة التصدي. ربما يكون أوضح مثال على ذلك هو محاولة الإدارة الأمريكية توظيف الموضوع الإيراني وتحويله إلى فزاعة لدى الدول الخليجية حتى تضمن التبعية السياسية والاصطفاف حول رؤيتها ومواقفها النابعة من مصالحها الاستراتيجية فقط.

لقد نجح المخطط الأمريكي، إلى حد ما، في استخدام الطائفية لزرع بذور الفتنة في منطقتنا، حيث رأينا استجابة بعض التيارات الدينية لهذا الطعم مثل حركة حماس، وكان من أبرز التجسيدات: أ- دعوتها الصريحة لإعطاء “الأفضلية للجهاد ضد تيار سياسي عربي معين وبشكل محدد ضد النظام السوري على الجهاد ضد اسرائيل”، وهو شعار دخيل على الحياة الوطنية العربية، وبداية تصديره كانت من قبل المخابرات الأمريكية مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي من أجل التحشيد الإسلامي” لمحاربة القوات السوفيتية في أفغانستان.. وهذا القول يعني التذكير بالجذر التاريخي لهذا الشعار، لأن إعادة طرحه بوجهة ترجمته في هذه المرحلة يكون حصادها لمصلحة الثنائي الأمريكي الصهيوني. ب- الانحياز اللامبدأي من قبل تيار إسلامي لمصلحة تيار إسلامي آخر في الصراع الداخلي المحتدم في بعض البلدان العربية، وهو أمر يعتبر خروج عن موقف الإجماع الوطني والإسلامي الفلسطيني، وتحديدا اتجاه الاشتباك الداخلي الجاري في سوريا بالنأي بالنفس مع الوقوف ضد التدخل الخارجي والأمريكي في الشأن السوري، مثل تلك المواقف التي اتخذت بخلفية دينية تقاطعت مع الاصطفاف الذي تقوده الإدارة الأمريكية.

بعد ذلك، من حق المواطن العربي وابن المنطقة أن يطرح العديد من الأسئلة حول ما تفعله أمريكا ومن هم تحت سقفها، ولماذا تريد تحطيم عدد من دولنا، لماذا حربها العدوانية على العراق، ثم تدمير ليبيا وتركها غارقة في الفوضى الداخلية، لماذا تحاول الآن استكمال تدمير سوريا.. لماذا تتعامل مع منطقتنا كبئر نفط وغاز وسوق واسعة فقط، هل تريد حقا فرض الديمقراطية عبر صواريخ كروز أم أنها كذبة كبيرة، هكذا تقول الوقائع التي تؤكد على أن جميع علاقات أمريكا في العالمين العربي والإسلامي هي مع البلدان المعادية للديمقراطية، إنها حروب المصالح الأمريكية الغربية فقط، حتى أن الديمقراطية في الداخل الأمريكي هي من نمط غريب وفريد، فالكونغرس الأمريكي بغرفتيه، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، لا يضم أي شخصية مستقلة أو تابعة لأي حزب أو تجمع مدني خارج إطار الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، اللذان يمثلان الكارتلات الاقتصادية بكل مسمياتها. إن بلادنا تكون أجمل وأفضل وأحسن عندما ترحل عنها أمريكا ومعها سياستها المعادية لمصالح شعبنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!