-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رأي، في مستقبل الفساد…

رأي، في مستقبل الفساد…

إن أهم ما ينبغي أن يشغل بالنا في العشرية القادمة على الأقل ليس المستقبل السياسي أو الأمني أو الاجتماعي في تقديري، إنما هو مستقبل الفساد، الذي بقدر تَحكُّمِنا فيه أو تقليلنا منه، بقدر ما سنتحكم في نوعية النظام السياسي القادم، وفي الحالة الأمنية التي ستسود البلاد وطبيعة المجتمع الذي نعرف. لعلها المرة الأولى التي يصبح لهذا البعد في تقديري كل هذا الأثر، ولعلها المرة الأولى التي سنحتاج فيها إلى الاستنجاد بالأخلاق والقيم لمنع هذا المتغير مِن أن يكون هو العامل المحدِّد، ليس فقط لعشرية واحدة قادمة، إنما لعقود كاملة بعد الآن، بكل التداعيات الممكنة…

لقد أصبح اليوم باديا للعيان أننا إذا كُنّا قد استطعنا تجاوز مشكلة الأمن والخوف، الناتجة عن استفحال ظاهرة العنف والاقتتال البيني الذي عرفته بلادنا في العشرية السوداء، وأصبح من المُسلَّمات لدى الجزائريين أنه لا عودة لنا إلى تلك الحال مهما كانت المبررات والأسباب، وإذا استطعنا أن نتقبل التغييرات السياسية التي حدثت في البلاد نتيجة مراجعة الدستور لمرتين وما أنتج ذلك من تكلسٍ للطبقة السياسية ومن تثبيت لفريق سياسي على حساب الآخرين بشتى الوسائل، فإننا في جانب الفساد مازلنا نتراجع إلى الخلف ولا نراه إلا في تزايد مستمر، بل نراه يريد أن يتحول إلى ظاهرة طبيعية في المجتمع ينبغي التعايش معها وقَبولها بل وتمكينها من النفوذ والسلطة فوق ما حصلت عليه في جانب الثروة والمزايا الاقتصادية.

وعندما نراه كذلك لا نريد أن نشير إلى وجود مجموعة من الأشخاص معروفين بالاسم لديهم امتدادات في السلطة لا شك فيها، بقدر ما نُريد الإشارة إلى وضع اقتصادي متردٍ وإلى نمطٍ اقتصاديٍ تكاد بلادنا تنفرد به عن غيرها، يمنعها من إحداث القفزة الأساسية نحو التقدم… أي إن مشكلتنا مع الفساد بالأساس ليست مع أفراد امتلكوا ما امتلكوا من أموال طائلة بطرق غير مشروعة ومازالوا يسعون لامتلاك المزيد منها، إنما مع علاقة جدلية بين ارتفاع مؤشر الفساد وتدهور الاقتصاد الوطني وتدهور الحالة الاجتماعية المرتبطة به، وتبعا لذلك وفي حدود معينة الحالة الأخلاقية والثقافية والنفسية التي يعرفها عامة المواطنين.

بمعنى آخر، إننا أمام متغيرات عدة ذات صلة بمستقبل بلادنا في العقود القادمة نكاد نتوقف عند متغير الفساد دون بقيتها، باعتباره الأكثر تأثيرا في مجمل المتغيرات الأخرى والمرشح أكثر لأن ترتفع نسبة ذلك التأثير لديه، إذا لم يتم التعامل معه بطريقة صحيحة، وإذا لم يتم اعتماد سياسات واضحة لمحاربته إلى أن يضمحل تدريجيا ويتحول إلى متغير غير ذي أثر في المستقبل.

إن أي متتبع للوضع الجزائري في العقدين الأخيرين يلاحظ كيف تم التعامل مع رموز كثيرة كان لها باع كبير في القرار السياسي والاقتصادي للبلاد، توفِّي بعضها مُبْعَدا عن الساحة السياسية أو مهزوما، وحُيِّد البعض الآخر، وتمت إزاحة فريق ثالث عن مستوى القرار السياسي بمقالب سياسية عدة معروفٌ مَن بَرع فيها. ويبدو أن هذا، على الأقل من وجهة نظر البعض، كان عملا مفيدا للبلاد، حيث لم يكن من السهل القضاء على متغولين كانوا يعتقدون أنه لا أحد بإمكانه التغلب عليهم أو دحرجتهم إلى حيث أصبحوا، وكأنهم لم يكونوا أسيادا ذات يوم… كان هذا عملا جديرا بالتنويه لو لم يحدث أنه استخدم الوسيلة غير الملائمة لتحقيق ذلك أي الفساد المالي، الذي لم يكتف بالثروة التي حصل عليها بل أصبح يتطلع إلى السلطة التي كانت في يد غيره.

وكأننا نعيش سيناريو العقدين الأولين بعد استعادة السيادة الوطنية ولكن بشكل معكوس. في تلك الفترة تمت الإطاحة بالخصوم السياسيين بالاعتماد على القوة دون اللجوء إلى الفساد المالي ودون تمكينه من الاقتراب من السلطة بطريقة أو بأخرى، أما في العقدين الأخيرين فقد تمت ذات العملية أي الإطاحة بالخصوم السياسيين من خلال اللجوء إلى سلطة المال الذي ما فتئ أن تحوّل إلى مال فاسد وأصبح بإمكانه اليوم التطلع إلى أن يتبوأ مكانة مرموقة في السلطة إن لم يكن إلى الاستحواذ على كل السلطة.

هي ذي الاشكالية الأم التي يبدو أننا نعيشها اليوم قبل أي إشكالية أخرى، وعلينا أن نجد مخرجا لها ومنها، إذْ وفق هذا المخرج سيتحدد مصير بلادنا ليس فقط لعقد من الزمن إنما لعقود عدة.

لذا، فإنه من قبيل الأولويات التي علينا إيلاؤها أكبر قدر من الاهتمام هي الفساد ومستقبله، وكيفية إيجاد بدائل للتعامل معه من غير أن يتسبب لنا ذلك في انكسارات حادة. أولوية ينبغي أن يكون على أساسها الفرز السياسي. أي الفرق سيخدم انتصاره الفساد؟ وأي الفرق سيُمكِّننا من العكس؟ الفرز ينبغي أن يكون على هذا الأساس بعيدا عن الاعتبارات السياسية والإيديولوجية والحزبية وغيرها. إن التحالف الأفضل الذي ينبغي أن يتشكل في المستقبل ينبغي أن يكون على هذا الأساس أو لا يكون. ذلك أن كل تمييع لهذه المسألة تحت أي غطاء كان إنما يكون من قبيل فتح المجال لانتصار الفساد لعقود قادمة.

وعليه، فإننا نكاد نجزم بأن مستقبل الجزائر إنما هو مرهون بمستقبل هذا الملف، بقدر تمكنها من تجاوزه بقدر ما ستتمكن من التعامل مع مختلف المشكلات التي تعرف بما في ذلك الاجتماعية والثقافية، وبقدر ترددها في ذلك بقدر بقاء الوضع على حاله.

ولعلي أرى أننا الآن في أنسب الأوقات للقيام بالفرز على هذا الأساس: إما أن نكون مع صانعي الفساد والمتسببين فيه، أو عكس ذلك نكون مع ضرورة وضع حد لهذه الآفة ومنعها من أن تستمر وتستفحل إلى ما لا نهاية. والفرز هنا ليس سهلا، والمعركة لن تكون بالبساطة التي نعتقد ولكن ينبغي لها أن تكون، وأن نُدرِك أنَّ مصلحتنا الوطنية وتطلعنا إلى بناء اقتصاد قوي وإلى أن نكون بعد 15 سنة من الآن ضمن مجموعة العشرين G20 إنما يتوقف على مثل هذا الاختيار والقرار.. إما أن نستسلم للأمر الواقع ونجاريه كما هو من خلال نظرة ضيِّقة وحسابات آنية، أو نُعلن بداية إصلاحنا له، من خلال اختيار الأنسب فالأنسب من الرجال والنساء الأبعد فالأبعد عن الفساد ورموزه.

بهذه الطريقة نكون قد أعلنَّا أن الفساد لا مستقبل له في بلادنا، وبعكسها، نكون قد قَبِلنا بأن يكون هو المستقبل، وعندها سيتبع المجتمع والثقافة والأخلاق والقيم، ولن نتمكن من إصلاح أي مستوى من هذه المستويات مهما جَنَّدنا من وسائل وامكانيات، إذ ليس من الممكن بتاتا أن نقيم مُجتمَعَ الأخلاق والقيم والعدالة والمساواة وأعلاه فاسد، والعكس صحيح، كل خطوة نخطوها للحد من هذه الآفة ومحاربتها إنما هي في الحقيقة انتصار للمعركة الأخلاقية والقيمية التي نخوضها قبل معركتنا السياسية والاقتصادية، ذلك أن قمة هزيمة الفساد هي الأخلاق وقمة هزيمة الأخلاق هي الفساد. وعلينا أن نختار.. 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!