رحل “هنية” وبقي الأثر
بين حين وآخر، نعود لنُشرّف أقلامنا ونطهّرها من اللّغو والرّفث بالكتابة عن غزّة. نعود وحقّ لنا ألا نغادر. نعود ليس لنعيش آلام مصاب إخواننا وآلامهم وجراحهم، فقط، ولكن أيضا لنتعلّم منهم كيف نعيش حياتنا “الوحيدة” أعزّة بديننا شامخة أنوفنا بقضيتنا.. فغزّة أبت إلا أن تكون مدرسة تعلّمنا وتهزّ قلوبنا وأرواحنا وتذكّرنا بأنّنا لسنا في هذه الدّنيا لنأكل ونتمتّع، وإنّما لنقيم دين الله وشرعه.. بعزّتها وشموخها ومقاومتها وصمودها جعلتنا نعاف أنفسنا الأمّارة بالسّوء التي جعلتنا ننشغل بدنيانا الفانية عن ديننا وقضايا أمتنا.. ونحتقر أنفسنا التي سوّلت لنا التعلّق بالأعراض الزّائلة والمظاهر الفانية في وقت يحارَب فيه ديننا وتنتهك حرماتنا وتداس مقدّساتنا!
غزّة علّمتنا أنْ ليس كلّ الأمّة بحالنا. ليس كلّ نساء الأمّة قد أخلدن إلى الأرض وصرن إماءً للمظاهر والألبسة والمساحيق.. وليس كلّ رجال الأمّة همّهم متعلق بالتراب، يتنافسون في الأرصدة والحسابات والأراضي والسيارات؛ فهناك في أرض الشام المباركة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، غاية أمانيهم أن يموت الواحد منهم في سبيل الله على الطّريق مقبلا غير مدبر.
في غمرة انشغالنا بالأسعار والعطل والشواطئ والأعراس، يأبى رجال غزّة إلا أن يذكّرونا بذروة سنام الإسلام، بشرف الأمّة وعزّها، بفريضة الجهاد التي نسينا وأُنسيناها وأمسينا نخوّف منها وننفّر عنها.. يأبى رجال غزّة إلا أن يذكّرونا بفضيلة الشهادة في سبيل الله التي رغِبنا عنها وما عادت تخطر لنا على بال، إلا من رحم الله منّا.
في الثلث الأخير من ليلة الأربعاء الماضي، ارتقت روحٌ نحسبها مؤمنة طاهرة ولا نزكّيها على الله، في إثر استهداف صهيونيّ غادر.. إنّها روح المجاهد الشّهيد بإذن الله إسماعيل هنية، قائد حركة المقاومة الإسلامية حماس، وأحد تلامذة الشيخ المجدّد المجاهد الشهيد أحمد ياسين رحمه الله.. رجل من طينة الكبار، بل من شاكلة الأسود في الشّجاعة والبسالة، ومن تربة الجبال في الرّسوخ والثّبات، نحسبه من الصّادقين ولا نزكّيه على الله.. عاش حياته مناضلا مقاوما مجاهدا يتمنّى الشّهادة في سبيل الله، ويدعو الله بها، ويقول إنّها أغلى أمانيه. صدق الله فصدقه الله، وكان ارتقاء روحه على أيدي أشدّ النّاس عداوة للذين آمنوا: اليهود.. كان النّاس يخافون من الموت، بينما كان إسماعيل هنية يخاف ألا يموت في سبيل الله، أو أن يموت على غير الطّريق. يخاف أن يموت على فراشه كما يموت المخلّفون. لكنّ الله الكريم لم يخذله.. وكيف يخذل الكريم عبدا صدق مولاه؟ كيف وهو –سبحانه- الذي قضى بعدله أنّ من عاش على شيء مات عليه. من عاش يتمنّى الشّهادة ويسعى لها مات شهيدا، ومن عاش لا همّ له إلا ما يأكل ويلبس ويركب، مات وقلبه لم يشبع من الدّنيا.
مات إسماعيل هنية على طريق الجهاد، والتحق برفقاء دربه: أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، نزار ريان، والتحق بأبنائه وأحفاده الذين قدّمهم قربانا قبل أن يلحق بهم.
في العاشر من شهر أفريل الماضي، فقد إسماعيل هنية ثلاثة من أبنائه واثنين من أحفاده في عدوان صهيونيّ على غزّة.. تألم قلبه كما يتألم إخوانه في غزّة، لكنّه لم يظهر أيّ توجّع، بل حوقل واسترجع وتكلّم برباطة جأش من دون تلكؤ أو تلعثم، وأظهر رضاه عن خالقه ومولاه، ووعد بمواصلة مسيرة الجهاد والمقاومة. وقال إنّ استشهاد أبنائه وأحفاده هو هدية متواضعة يبعث بها إلى الشعب الفلسطيني والأمّة قاطبة.
ارتقى إسماعيل هنية شهيدا نحسبه كذلك، بعد أن احتسب عند الله 10 من أفراد عائلته القريبة، و60 فردا من أفراد عائلته الكبيرة.. ليقدّم أبلغ ردّ على المرجفين والمنافقين الذين يطعنون في هنية وإخوانه من قادة المقاومة بأنّهم يعيشون مع أبنائهم في فيلات وفنادق قطر ويتركون شعب غزّة يطحنه العدوّ الصهيونيّ.. ولعلّه لم ينل أحدًا من قادة الجهاد والمقاومة في فلسطين من الأكاذيب والشّائعات والتشويه ما نال إسماعيل هنية، رحمه الله.. زعموا أنّه يملك 2 مليار دولار في حسابه، وأنّه يعيش مع أبنائه في فيلا فاخرة بقطر، فإذا بأبنائه تختلط دماؤهم بدماء شعبهم في غزّة، وإذا إسماعيل هنية لا يملك في رصيده الخاصّ إلا ما يملكه أبسط البسطاء في فلسطين.
المنافقون الأوّلون كانوا يخرجون مع المسلمين في غزواتهم، ويتحدّثون عن المجاهدين بالسّوء، فيقولون أحيانا: هؤلاء مغرورون ومغامرون ((غرّ هؤلاء دينهم))، وأحيانا يقولون عن المجاهدين بأنّهم جبناء أكّالون: “ما نرى قراءنا هؤلاء إلا أرغب بطونا وأجبن عند اللقاء”، وحين كشف الله مقالتهم قالوا: إنّما كنّا نخوض ونلعب! فأنزل الله فيهم وفي أمثالهم آيات تتلى إلى يوم القيامة: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين)).
المفارقة أنّ منافقي زماننا وأيامنا، فاقوا المنافقين الأولين في الخسة والنذالة، فإذا كان المنافقون الأولون يخرجون للقتال أحيانا، فإنّ منافقي هذه الأيام لا يخرجون للقتال، بل يجلسون خلف شاشات الهواتف وخلف كاميرات القنوات ليطعنوا في المجاهدين والمرابطين والمقاومين.. تارة يتّهمونهم بامتلاك الأموال الطائلة في حساباتهم، وتارة يتّهمونهم بالعيش في الفيلات وركوب السيارات الفخمة، وقد وصل بهم الأمر إلى حدّ فبركة الصور والفيديوهات، وترويج المعلومات الكاذبة التي يختلقها العدو الصهيوني الأفاك.. وتارة يتّهمون المجاهدين بأنّهم يوالون إيران الشيعية الرافضية، مع أنّ قادة الجهاد قالوا مرات ومرات: يا إخواننا في بلدان أهل السنة مُدّوا إلينا أيديكم، وافتحوا لنا أبوابكم، ووالله لن نطرق باب إيران أبدا.. ولكن لا أحد أجاب طلبهم، إلا قليلا، وقد أجاب القيادي البطل خالد مشعل عن هذا السؤال مرة فقال: “نحن نطرق أبواب أهلنا العرب فلا يفتحون لنا، بينما إيران هي من تطرق أبوابنا وتمدّ لنا يدها”.. إيران دولة طائفية لها مآربها. لكن ما حيلة المجاهدين في غزّة؟! هم في حكم المضطرّ الذي لم يجد ما يسدّ به رمقه، فأكل الميتة.. والمصيبة أنّ من جوّعوه وحاصروه، يلومونه على أكل الميتة، والله المستعان!