رسائل الأموات إلى الأحياء!
شـُيّع جثمان المجاهد الراحل، حسين آيت أحمد، إلى مثواه الأخير، وحملت المراسيم وما قبلها عدّة رسائل، لعلّ أهمها وأبلغها: أن جموع المواطنين، من مختلف ربوع الجزائر الواحدة الموحدة، شاركوا في “ردّ الاعتبار” إلى الرجل، فيما “تنافس” الرسميون مع المواطنين، في المشاركة القوية في تشييع جثمان فقيد الجزائر، فكانت جنازة شعبية ورسمية في نفس الوقت!
لقد نجح “المعارض” آيت أحمد، في جمع أكبر قدر من المتخاصمين والمتنافسين والمتخالفين، بمقرّ الأفافاس، وبقرية آيت يحيى بعين الحمّام، والأهم من ذلك، أنه جمع الآلاف من الجزائريين، ليس فقط من منطقة القبائل، ولكن من عدّة ولايات، في رسالة سياسية وجماهيرية، موجهة إلى حفنة الانفصاليين، ممّن وقفوا مرّة أخرى على حقيقة مفادها أن الجزائر واحدة موحدة، وأن الزعماء ملك متوارث لكلّ الأمة !
شعبية أو رسمية.. لا فائدة مرجوة في محاولة التقسيم والتعويم، فجنائز الكبار ورجال الثورة، يقرؤها الشعب قبل أن تتلقفها الحكومة أو المسؤولون، مثلما يصبح أيّ زعيم راحل، ملكا لكلّ الجزائريين، وليس حكرا على عائلته الصغيرة، التي قد تتحوّل هي الأخرى إلى “صوت” من أصوات الجماعة!
من حقّ جيل الاستقلال، أن يبكي هذا الواقع التعيس، الذي يفرض عليه عدم الاستفادة من رجالات “جيل الثورة”، فهاهم يتناقصون ويتوفون ويرحلون في صمت، دون أن يكشفوا كل “الأسرار والخبايا”، التي تـُفيد وتعطي وتنير طريق المستقبل أمام جيل لم يعرف كلّ شيء، أو لم يلمس ما ينبغي أن يلمسه، من حقائق وشهادات وحتى “اعترافات” لا تدفن التاريخ في كلّ مرّة، مع دفن كلّ زعيم وثوري وقائد!
الراحلون في صمت، يملكون ما يُمكنه أن يخدم الأجيال القادمة، لكن ربّما “عقلية الجزائري”، تجعلنا دائما ندفع الثمن بأثر رجعي وقبلي ومستقبلي، وقد يكون مع هؤلاء كلّ الحقّ، في إخفاء ما رؤوا أنه واجب عليهم أن يخفوه، أو لا يجهروا به، من باب أنه “سرّ” ينبغي أن يُدفن مع صاحبه إلى مثواه الأخير، وبعدها فليلهم الله معشر الجزائريين بجميل الصبر والسلوان!
رحل آيت أحمد، وقبله الكثير من صنـّاع الثورة وصنّاع التاريخ والاستقلال، لكن قليلة هي الشهادات المسموح لها بالنشر و”التفجير”، خرجت من مجال الوجود بالقوّة، إلى مجال الوجود بالفعل، ولذلك، تفرّخت “خلافات الكبار”، المتأتية والمهرّبة من حقبة الاحتلال، إلى مرحلة الاستقلال، ومنها تناطحت التساؤلات ورُسمت نقاط الظل حول خلفيات “الهوشة” ومبرراتها!
على الباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا الأحياء من الزعماء والقادة، أن يلحقوا أجيال الاستقلال، بما يجب أن يكشفوا عنه، حتى لا يضيع الجمل بما حمل، وحتى لا يسمعوا كلّ “الحقيقة” من أفواه قد تمارس المقصّ أو التحريف والتزييف، أو التغليط والتضليل!