-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالة من أينشتاين الى الرئيس ترامب ونتنياهو !

رسالة من أينشتاين الى الرئيس ترامب ونتنياهو !

قبل ما يقارب القرن من الزمان وتحديداً بتاريخ 30 جويلية 1932، وفي لحظة حرجة من تاريخ البشرية تشبه إلى حدٍ مذهل تفاصيل واقعنا اليوم، صاغ العالم الفيزيائي ألبرت أينشتاين هذه الرسالة المفتوحة. لم يكن يتنبأ بالمستقبل، بل كان يفكك “البنية الجينية” للحروب، والصراعات، والغرائز السياسية التي تصنعها الأقليات الحاكمة على حساب دمار الشعوب وافتقارها.

وعندما تقرؤون أسطر هذه الرسالة اليوم، لن تروا كلاماً مجرداً، بل سترون تشخيصاً دقيقاً لسياسات الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وفرنسا، ودول أخرى مارقة:

  • سترون كيف تتحول “شهوة السلطة الشخصية” والحفاظ على الائتلافات والمكاسب السياسية إلى وقودٍ لاستمرار الحروب واشتعال الجبهات.
  • سترون كيف يُختزل “الحق الدولي” أمام منطق القوة العارية، وكيف تُجهض المؤسسات القضائية والأممية لمجرد أنها لا تملك مخالب تنفذ بها أحكامها أمام قوى الفيتو والسلاح.
  • سترون تفكيكاً لآلة “الشحن الجماعي والبروباغندا” التي تُستغل لإدخال المجتمعات في “ذهان جماعي” (Mass Psychosis ) يبرر الإبادة، والتهجير، وشيطنة الآخر.

إن التاريخ يعيد نفسه، ليس لأن الأحداث تتشابه، بل لأن الغرائز السياسية التي انتقدها أينشتاين لا تزال تدير كبريات العواصم اليوم. نضع بين أيديكم هذه الرسالة لتعلموا أن التاريخ قد فكك اللعبة مسبقاً، وأن القوة التي لا يحكمها العدل هي أخطر طريق نحو الفناء المشترك.

إليكم نص رسالة ألبرت أينشتاين الى سيجموند فرويد …

بوتسدام، 30 جويلية 1932.

سيدي وصديقي العزيز،

يسعدني جدًا أن عصبة الأمم ومعهدها الدولي للتعاون الفكري في باريس قد أتاحا لي، من خلال دعوتي لإجراء تبادل حر للآراء مع شخص من اختياري حول موضوع أُحدده وفق رغبتي، فرصة ثمينة للتحدث معكم حول مسألة تبدو لي، في ظل الوضع الراهن للأمور، أنها الأكثر أهمية في مسار الحضارة: هل هناك طريقة لتحرير البشر من تهديد الحرب؟

ثمة اتفاق عام اليوم على أن التقدم التقني قد جعل من هذا السؤال مسألة حيوية تمامًا للبشرية المتحضرة، ومع ذلك، فإن الجهود الحثيثة التي بُذلت لحل هذه المشكلة قد باءت حتى الآن بالفشل بنسب مفزعة. وأعتقد أنه حتى بين أولئك الذين ينشغلون بهذه المشكلة عمليًا ومهنيًا، يتجلى رغبةٌ نابعة من شعور معين بالعجز، لطلب رأي أشخاص وضعتهم الممارسة المعتادة للعلوم في مسافة مقصودة ومباركة عن جميع مشكلات الحياة اليومية. فيما يخصني، فإن الاتجاه المعتاد لتفكيري ليس من النوع الذي يفتح آفاقًا في أعماق الإرادة والمشاعر الإنسانية، ولهذا السبب، في تبادل الآراء الذي أبدأه هنا، لا يمكنني إطلاقًا أن أطمح لأكثر من محاولة طرح المشكلة، مع ترك محاولات الحل الخارجية لجانبًا مسبقًا، لأتيح لكم الفرصة لتسليط الضوء على هذه المسألة من زاوية معرفتكم العميقة بالحياة الغريزية للإنسان. وإنني على قناعة تامة بأنكم ستكونون قادرين على تحديد وسائل تعليمية وتربوية، تكون بطبيعتها – من خلال مسار غريب بعض الشيء عن السياسة – قادرة على إزالة العقبات النفسية التي يمكن لغير المتخصص في هذا المجال أن يصل اليها، لكنه لا يملك القدرة على قياس روابطها وتحولاتها.

بالنسبة لي، كشخص متحرر من الأحكام الوطنية المسبقة، فإن الوجه الخارجي للمشكلة — وأقصد هنا جانب التنظيم — يبدو لي بسيطًا: أن تنشئ الدول سلطة تشريعية وقضائية لتهدئة وفض جميع النزاعات التي قد تنشأ بينها. وأن تتعهد بالخضوع للقوانين التي تضعها السلطة التشريعية، والاحتكام إلى المحكمة في جميع القضايا المتنازع عليها، والانصياع دون تحفظ لقراراتها، وتنفيذ جميع التدابير التي تراها المحكمة لازمة لضمان تطبيق تلك القرارات.

وهنا ألمس الصعوبة الأولى: إن المحكمة مؤسسة بشرية، وكلما قلت القوة المتاحة لها لإنفاذ أحكامها، كلما كانت قراراتها أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية عن القانون. هناك حقيقة يجب أن نأخذها في الحسبان: الحق والقوة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وتقترب أحكام أي هيئة قانونية من المثالية في العدالة التي تنشدها الجماعة (التي يُنطق الحق باسمها ولصالحها) بنفس المقدار الذي تستطيع فيه هذه الجماعة حشد القوى اللازمة لفرض احترام مثالها الأعلى للعدالة. لكننا حاليًا بعيدون كل البعد عن امتلاك منظمة فوق دولية (فوق سيادية) قادرة على منح محكمتها سلطة لا طعن فيها، وضمان الخضوع المطلق لتنفيذ أحكامها.

وهذا يقودني إلى المبدأ الأول الذي يفرض نفسه على انتباهي: إن الطريق إلى الأمن الدولي يفرض على الدول التخلي غير المشروط عن جزء من حريتها في التصرف، وبعبارة أخرى، عن سيادتها، ولا شك في أنه لا يمكن العثور على طريق آخر نحو هذا الأمن. إن نظرة سريعة على إخفاق الجهود – الصادقة دون شك – التي بُذلت على مدى السنوات العشر الماضية تتيح لأي شخص أن يدرك أن هناك قوى نفسية هائلة تعمل على شل هذه الجهود. وبعض هذه القوى يمكن تمييزه بسهولة؛ فشهوة السلطة التي تبديها الطبقة الحاكمة في دولة ما تقف عائقًا أمام أي حد من حقوق سيادتها. وغالبًا ما تجد هذه “الشهوة السياسية للقوة” غِذاءً لها في مزاعم فئة أخرى تظهر جهودها الاقتصادية بشكل مادي بحت. وأنا أفكر هنا تحديدًا في تلك المجموعة الموجودة داخل كل شعب، وهي مجموعة قليلة العدد لكنها حاسمة وغير مبالية بالتجارب والعوامل الاجتماعية، وتتكون من أفراد لا تمثل الحرب وصناعة الأسلحة والتجارة بها بالنسبة لهم سوى فرصة لجني منافع خاصة وتوسيع نطاق نفوذهم الشخصي.

ومع ذلك، فإن هذا الاستنتاج البسيط ليس سوى خطوة أولى في فهم المعطيات. وثمة سؤال يطرح نفسه فورًا: كيف يتسنى لهذه الأقلية أن تسخر لشهواتها الكتلة العظمى من الشعب التي لا تجني من الحرب سوى المعاناة والافتقار؟ (عندما أتحدث عن عامة الشعب، لا أقصد استبعاد أولئك الذين اتخذوا من الحرب مهنة لهم، من جنود بمختلف الرتب، مدفوعين بالاقتناع بأنهم يعملون للدفاع عن أثمن مقدرات شعبهم، ومؤمنين بأن أفضل وسائل الدفاع هي الهجوم أحياناً).

إليكم الإجابة الأولى التي تفرض نفسها في نظري: إن هذه الأقلية من الحكام تسيطر أولاً على المدرسة، والصحافة، والمؤسسات الدينية تقريبًا في كل الأوقات. ومن خلال هذه الوسائل، تهيمن وتوجه مشاعر الكتلة العظمى وتجعل منها أداة طيعة وعمياء. لكن هذه الإجابة لا تفسر حتى الآن تسلسل العوامل المتداخلة، لأن سؤالًا آخر يطرح نفسه: كيف يمكن للجمهور، عبر الوسائل التي ذكرناها، أن يدع نفسه ينقاد للاشتعال حتى الجنون والتضحية بالذات؟ لا أرى إجابة أخرى سوى هذه: إن لدى الإنسان نزعة متأصلة في داخله للحقد والتدمير. في الأوقات العادية، تكون هذه النزعة كامنة ولا تظهر إلا في الفترات غير الطبيعية؛ ولكن يمكن إيقاظها بسهولة نسبية لتتحول إلى ذهان جماعي (جنون جماعي). وهنا، كما يبدو، تكمن المشكلة الأساسية والأكثر غموضًا في هذه المنظومة من العوامل. هذه هي النقطة التي لا يمكن لغير العارف الكبير بالغرائز البشرية أن يسلط الضوء عليها.

ويقودنا هذا إلى سؤال أخير: هل هناك إمكانية لتوجيه التطور النفسي للإنسان بطريقة تجعله أكثر تحصينًا ضد ذهان الكراهية والتدمير؟ ولا يخطر ببالي هنا أن أفكر فقط فيمن يُسمون بـ “غير المتعلمين”. فقد لمست بنفسي أن من يُطلق عليهم “المثقفون” هم في الواقع الفريسة الأسهل للإيحاءات الجماعية القاتلة، لأنهم لم يعتادوا الاستقاء من منابع الخبرة والتجربة الحية، بل يسلسون قيادهم تمامًا وبأسهل الطرق عبر الكلمات المطبوعة على الورق.

وفي الختام، أود إضافة هذا: لم أتحدث حتى الآن إلا عن الحرب بين الدول، أي النزاعات الدولية. ولا يغيب عن بالي أن العدوانية البشرية تظهر أيضًا بأشكال أخرى وفي ظروف مختلفة (مثل الحرب الأهلية التي كانت تشتعل في الماضي لأسباب دينية، واليوم لأسباب اجتماعية – واضطهاد الأقليات القومية). لكنني تعمدت إبراز الشكل الأكثر جموحًا وضراوة من النزاعات التي تظهر داخل المجتمعات البشرية، لأنه انطلاقًا من هذا الشكل بالذات، سيكون من الأسهل كشف الوسائل الكفيلة بتجنب النزاعات المسلحة.

أعلم أنكم قد أجبتم في مؤلفاتكم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، على جميع الأسئلة المتعلقة بهذه المشكلة التي تهمنا وتؤرقنا. ولكن سيكون من الفائدة بمكان أن نراكم تبسطون مشكلة إحلال السلام في العالم على ضوء أبحاثكم الجديدة، لأن عرضًا كهذا يمكن أن يكون نبعًا لجهود مثمرة.

تقبلوا خالص مودتي وتقديري،

  • أينشتاين

عندما نرى اليوم عجز محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية عن إنفاذ مذكرات الاعتقال أو القرارات الدولية بحق رئيس وزراء الكيان الصهيوني، تتجلى أمامنا رسالة أينشتاين وكأنه كتبها بحبر من نور عام 1932.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!