-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

رسالـة التفكيـر في التكفيـر(2)

الشروق أونلاين
  • 2960
  • 1
رسالـة التفكيـر في التكفيـر(2)

3- الحاكمية:إذا كان إيمان الفرد تحدّده بصفة قطعية وتشهد له الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فأشهدوا له بالإيمان”، فإن الإيمان المجتمعي تحدّده وتشهد له بصفة قطعية الحاكمية، دون دخل لصلاة الأفراد أو إيمان أو تقواهم، وذلك لقوله تعالى: “فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا” (النساء : 65).

 من المؤكد أن الناس تختلف قابلياتهم ومواهبهم لاختلاف قدراتهم على تزكية تلك القابليات، وتنمية تلك المواهب، وهذا يؤدي إلى الاختلاف في تحقيق المصالح، ويؤدي إلى الاختلاف في البناء الاجتماعي، إذ تحاول كل طائفة أن تحكم لمصالحها على حساب مصالح غيرها، فتنشأ الشرائع الفئوية، من طبقية وطائفية، وحزبية ومذهبية، وعرقية، وقومية، وغير ذلك، فيفضى الاختلاف إلى الخلاف الذي ينفتح بدوره على الصّراع المصلحي الحتمي، فيكون القتل والفساد والهلاك، ومن ثمّ وجبت العودة إلى الرسول، بكل ما يمثّله،وبكل ما يرمز إليه، وذلك باعتباره حكما فوق المصالح وخارج الأهواء، وأكبر من الأنانيات والنظرات الضيّقة التي يكتظّ بها الآخرون.

 

فعندما تستطيع كل طائفة، أو كل طبقة أو كل جهة أن تتجاوز إملاءات المصالح الخارجية، وإلحاحات الأهواء، وضغط الرغبات الداخلية، وتُرجع الأمر كلّه إلى الرسول بكل ما يمثّله ويرمز إليه ويعنيه، فإنّها بذلك – باعتبارها مجتمعا – تكون قد آمنت حق الإيمان. وفي شرح النص القرآني السابق،يقول العلاّمة “محمد حسين فضل الله” – رحمه الله – : “ويعود القرآن – من جديد – ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه “فلا وربّك لا يؤمنون” … بكلمة الإيمان يقولونها، أو بمظاهره ومشاعره التي يحملونها … بل لا بد هناك من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح …”حتى يحكّموك قيما شجر بينهم” . فإذا اختلفوا في قضية من قضايا الحياة، وتعدّدت الآراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك، فإنّ علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم فيما يأخذون، وفيما يدعون، وذلك من خلال صفتك الرسالية، ليكون رجوعهم إليك، وتحكيمهم لك، رجوعا إلى الرسالة وتحكيما لها، في جميع أمورهمالتي يختلفون فيها … فإنّ معنى ذلك أنهم لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما بعيدا عن الرسول والرسالة، ولا يتطلّعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أيّ شخص آخر، أو أيّ فكر آخر (1)  .

إنّ حاكمية الله تأكيد على البعد القيمي في الحياة البشرية، وتأكيدٌ على الجانبالرسالي في سعي الإنسان وكدحه وحركته، ومصادقة على أنّ مصالح المجتمع المؤمن تتحدّد من خلال الإيمان، وليس الإيمان هو الذي يتحدّد من خلال المصالح ويتكيف، كشأن الذين يريدون أن يؤمنوا ببعض الكتاب وأن يؤّجلوا الإيمان ببعضه الآخر لما تحين الفرصة، وتتهيّأ الأوضاع، وتترتّب مصالح عن مصالح! وما أكثر هؤلاء في كل عصر وفي كل مصر !! “إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِوَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا، أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّاوَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا” (النساء: 150-151)، إنّ كل عناصر الإيمان، وكل شروط الاسلام تبقى في حساب المماحكة الرّخيصة والادعاء الأجوف ما لم يصادق عليها المجتمع بالحاكمية، الحاكمية الكلّية الشاملة.

فبالدعوة إلى حاكمية الله، وبالرغبة في حاكمية الله، وفي الإذعان لحاكمية الله، وفي الرّضى بحاكمية الله والتسليم لها، في كل ذلك، وبكل ذلك، يتحقق الإيمان المجتمعي ويتحدّد، وبذلك فقط ينقلع المجتمع من صفة الكفر والجاهلية !.

وكل مجتمع يحتال على الحاكمية تعطيلا من الحاكمين، أو تأويلا مغرضا من الفقهاء والمشرّعين والمفسّرين، أو تظاهرابالاستضعاف من المحكومين، إنّ مجتمعا يكون هذا شأنه، هو مجتمع كافر، بغضّ النظر عن الإيمان الفردي لأفراده. وليس محالا أن يكون هذا بعض المقصود بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين حذّر قائلا :”لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض”.

فكل طائفة لا تحكّم كتاب الله، ولا تحتكم إليه، تصير – في مجموعها كطائفة أو كجماعة – في مقام الكفر، ليقتسم أفرادها المؤمنون إثم كفرهم الجماعي. كما تقسّم المواريث !.وليس يحدّد نصيب الأفراد المؤمنين من إثم الكفر المجتمعي إلا موقعهم في المجتمع، الذي من خلاله يتأهلّون لتأثير ما، أو فاعلية ما، ولا ينجو من هذا الإثم إلا طائفة أعلنت العزلة والمفاصلة، وقدّمت عذرها إلى الله.

قال الله عزّ وجل: “وَإِذَا قَالَتْ أُمّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُواْمَعْذِرَةً إِلَىَ رَبّكُمْ وَلَعَلّهُمْ يَتّقُونَ” (الأعراف: 164).

إن الأمر أوضح من أن يقع فيه التباس، وأجلى من أن يخفى على كل ذي بصيرة من الناس، وأظهر من أن يُتّهم فيه شخص ويعدم من أجله، كالشهيد “سيد قطب” – رحمه الله – الذي قال في معرض تفسيره للآية الخامسة والستين من سورة “النساء” : “ومرّة أخرى تجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الاسلام. يقرّره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الايمان وحدّ الاسلام، ولا تأويل لمؤوّل. اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام (…) فهذه حقيقة كليّة من حقائق الاسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكّدة، مطلقة من كل قيد (…) وإذا كان يكفي لإثبات “الإسلام” أن يتحاكم الناس إلا شريعة الله وحكم رسوله، فإنّه لا يكفي في “الإيمان” هذا ما لم يصحبه الرّضى النّفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان في اطمئنان ! … هذا هو الإسلام … وهذاهو الإيمان، فلتنظر نفس أين هي من الإسلام، وأين هي من الإيمان ! … قبل ادّعاء الإسلام وادّعاء الإيمان(2) .

ويبدو أنّ الأمر سنني ماض إلى يوم القيامة، فكما ينبعث الإيمان من قلب الكفر، قد ينبعث الكفر من قلب الإيمان، إن لم يكن أهل الإيمان يقظين صارمين، حازمين متنبّهين، آخذين الأمر بجدّ وفي غير تهاون ! …

فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلّما انقضت عروة تشبت الناس بالتي تليها، وأوّلها نقضا الحكم، وآخرهنّ الصلاة”.

إنّ هذا الحديث النبويّ الشريف يكشف عن مدى جدليّة العلاقة بين الإيمان الفردي وبين الإيمان المجتمعيّ، إذ كلاهما يحقّق الآخر ويتحقّق به، حتى إذا انتفى أحداهما فإنّ الآخر على خطر وشيك ! …

فالصلاة – باعتبارها شرطا أساسا في الإيمان الفردي – تكون مهدّدة في وجودها وفي حقيقة معناها إذا انتفت الحاكمية التي هي شرط الإيمان المجتمعي. فإذا كان كفر الفرد يصنع كفر المجتمع بالتدريج- إن لم يتدارك الأمر في وقته- فإن كفر المجتمع يصنع كفر الفرد بالتدريج إن لم يتدارك الأمر في حينه، وينتبه الأفراد إلى الإجراءات القرآنية التي تحمي إيمانهم وتقيه، كالهجرة والعزلة، والفرار إلى الله وإعلان البراءة، وكل هذه الإجراءات لن تكون ذات معنى ما لم يستبطن الفرد النيّة في المقاومة.

إنّ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا يستبعد انبعاث الكفر من داخل المسلمين، لأنّهم ليسوا استثناء من سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري، سواء كان الكفر كفر أفراد أو كفر مجتمع، ويضع له مؤشّرا واضحا بيّنا، وهو انتفاء الحاكمية.

وإذا كان هذا الأمر مستحيلا، وهذه الظاهرة غير ممكنة كما يدّعى الكثير، زاعمين أنّهم مسلمون منذ مئات السنين، فبماذا نفسّر هذا “الرّهاب من الإسلام” بين هؤلاء “المسلمين” أنفسهم ؟!. وصدق الله سبحانه حين قال في شأن هذه الحالة أو الظاهرة “ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاًبَعِيداً،وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّه وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْك صُدُودًا” (النساء: 60-61).

“ألم تر إلى هذا العجب العاجب “قوم” يزعمون الإيمان، ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟!. قــــوم “يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك “.ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر.. يريدون أن يتحاكموا إلى.. الطاغوت.. الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؛ ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك .. ومن ثم فهو طاغوت..طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية. وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضاً! .. وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن.. إنما هم يعلمون يقيناً ويعرفون تماماً ، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: “وقد أمروا أن يكفروا به”. فليس في الأمر جهالة ولا ظن، بل هو العمد والقصد” . (3)

إذن فعلى الفرد المسلم أو المسلم الفرد ألا يتساهل في شأن الحاكمية، إذ ليس من واجبه فقط أن يحتكم إلى دين الله وإلى شريعة الله، بل من حقّه كذلك، دفاعا عن إيمانه الفردي، الذي له خلق وبه يكون، ولا يَغُرَّنَّه ما يرى من وصول بعض “الاسلاميين” إلى بعض المناصب في بعص الحكومات، في إطار مداهنات ومهادنات وبعض التوازنات الداخلية أو الخارجية، إنّ هؤلاء ما وصلوا إلا فارغين من فكرتهم ومبدإهم تماما، أو أنّهم سرعان ما فرّغوا من فكرتهم ومبدإهم.

على الفرد المسلم ألا ينخدع بما يرى، وعليه أن يفصل المبدأ عن الشخص، وأن يفرّق بين إسلام من غير إسلاميين، وبين إسلاميين من غير إسلام !!

.. يتبع

 .

هوامش:

1- محمد حسين فضل الله: من وحي القرآن، الحلقة 7، دار الزهراء ، بيروت، لبنان، ط 1، 1407، ص 241.

2- سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد 2، الجزء: 5، ص 696.

 

3- سيد قطب: في ظلال القرآن، المجلد 2، الجزء: 5، ص 694.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • samir

    السلام علبكم ما هو البديل للوصول للابمان الحق والتحاكم الى شرع الله هل بتعلم العقيذة ام بالبراءة من قومنا ام بالهجرة ام بالسياسة لا بد من البصيرة والتبصر وعدم الحكم على الناس وعدم التسرع واتباع العلما الربانببن والعذر بالجهل ونشر الدعوة الصحيحة والصبر والدعا و و و وو و سلام