زكاتنا.. من غالب قوتنا؟
على كل مسلم يحمل اليوم كيسا من الدقيق أو العدس أو الأرز أو الزبيب أو غير ذلك مما نعتبره من غالب قوتنا الذي تصحُّ به زكاة الفطر أن يسأل نفسه وهو يحرص على الالتزام بهذه الشعيرة الدينية: مَن أنتج محتوى هذا الكيس الذي يحمله حتى وصله هكذا جاهزا للاستهلاك قابلا لأن يكون زكاة يقدمها للفقراء والمساكين؟ هل السواعد التي عملت وتعبت لأجل أن يكون بين يديه هي سواعد المسلمين؟ هل الأرض التي أنبتته هي أرض الإسلام والمسلمين؟ هل البذور التي نَبَت منها هذا القوت قد أعِدَّت وتمت تهيئتها في مخابر المسلمين؟ مَن سقاه وسهر عليه وحصده وجمعه وأرسله إلينا ليكون بين أيدينا نعيش به وننوي التصدق منه والزكاة، هل المسلمون؟
أليس علينا أن نتذكر اليوم أن كل قوتنا أو جلّه في الحدود الدنيا هو من بلاد غير المسلمين حتى لا نصفهم بأوصاف أخرى كثيرا ما يسارع أغلبنا إلى نعتهم بها؟ أليس الأحرى بنا اليوم أن نسأل عن مصدر قوتنا قبل أن ندخل في جدال عقيم هل هو الدقيق أم العدس أم الأرز وقبل أن نغوص في الحديث عن شكل الزكاة به وكيف ينبغي أن تتم؟ أليس من واجبنا أن نستوقف أنفسنا ونحن نسأل لِمَ نُزكي مِمَّا ينتجه غيرُنا؟ أليست هذه مناسبة لينبري كلٌّ مِنَّا من موقعه يشحذ هِمم المسلمين لكي ينظروا في حقيقة غالب قوتهم بدل أن يسترسلوا في سباتهم العميق بأنهم أدوا الفرائض وقاموا بالواجبات واتبعوا السنن وهم عن حقيقة كل ذلك غافلون؟
إن مشكلتنا اليوم هي في فهم جوهر الدين، ووعي عمق شعائرنا الدينية والمقصد منها، وإدراك حقيقة سلوك السلف الصالح والأبعاد العميقة من الزكاة من غالب قوتهم.. لم يكن قطّ غالب قوتهم من إنتاج غيرهم ولو كان شعيرا جافا أو تمرا يابسا فما بالك أن يكون مصدره أقوام ما فتئت تجهر بعدائها لهم ولمعتقداتهم، ولا تبيعهم ما يأكلون إلا بعد إذلال واستصغار لهم ما بعده إذلال واستصغار؟ لم يكونوا قطّ يقبلون بأن يعيشوا بإنتاج الآخرين، وأن تكون صدقتهم أو زكاتهم من بقول أو حبوب أو فاكهة غيرهم… لقد كانوا أكبر من أن يقبلوا بهذه المكانة الدونية ولو باتوا على الطوى.
علينا اليوم أن نستحضر هذا، ونحمد الله تعالى أنه مازال التمر تمرنا وقليل من الدقيق دقيقنا، ولعلنا بعد سنين سنشحذ هِمَمنا ونُشمِّر عن سواعدنا وننتج غذاءنا بأيدينا وفي أرضنا، وحينها ستكون زكاتنا حقيقة من غالب قوتنا الذي أنتجناه.