-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

زنا المحارم بين “محور الشر” و”الشيطان الأكبر”

حبيب راشدين
  • 4302
  • 15
زنا المحارم بين “محور الشر” و”الشيطان الأكبر”

لم يكن الرئيس الأمريكي ليقبل بالإهانة التي اقترفها نتانياهو في حقه وفي عقر داره، لو لم يكن قد أغلق ملف الصفقة الكبرى مع الشريك القادم للإمبراطورية في إدارة بقايا العرب، وتوليد شرق أوسط كبير بالشراكة مع الطورانيين الأتراك، والصفوية الجديدة مع ملالي إيران، يعود فيه العرب كما كانوا قبل أن يشرّفهم الإسلام بقيادة الأمم: قبائل يُسمح لها برعاية ما بقي من الإبل.

من تابع منكم خطاب رئيس وزراء الكيان الصهيوني أمام الكونغرس الأمريكي، أمس الأول، يكون قد أصيب بحيرة: كيف يمكن لدولة تقود العالم سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا، أن تقبل نخبها الحاكمة تلك الإهانة التي وجهها إليها رئيس وزراء كيان مصطنع مثل إسرائيل، مركب من قطيع من يهود الخزر، وبعض بقايا قبائل بني إسرائيل التي حماها الإسلام من همجية الغرب؟ وكيف يقبل رئيس دولة عظمى، كانت قبل أربع سنوات تحضر لتوليد شرق أوسط كبير، وبسط هيمنتها الإمبراطورية على العالم، كيف يقبل أن يقتحم عليه البيت، ويهينه في عقر داره، رئيسُ دولة تعيش على كرم الأمريكيين وحمايتهم منذ نشأتها؟

المشهد كان سرياليا للغاية، في بلد يسوّق للعالم على أنه الدولة الديموقراطية الأولى في العالم، حيث رأينا الأغلبية المهيمنة في الكونغرس، وأغلبية من الأقلية يقفون 25 مرة للتصفيق مطولا لرجل جاء من كيان آخر، يقول لهم: إن رئيس بلدكم المنتخب، يقود سياسة خاطئة تهدد أمن بلدكم بدخوله في حوار مع رأسمحور الشرإيران.

في أي بلد آخر، ديموقراطي أو حتى شمولي، كان أحقر مواطن سيغضب لإهانة كهذه، ولا أظن أن نواب برلمان من العالم الثالث كانوا سيتقبلون لزعيم دولة أخرى أن يعتلي منصتهم ليهين رئيس دولتهم، لكن ذلك يحدث في بلد يعلم الجميع كيف يباع فيه منصب الرئيس، وعضوية الكونغرس بدولارات معدودة، وكيف أن حفنة من أرباب المال الرِّبوي تتحكم في غرفتيِ النواب والشيوخ، تملي عليهم ما ينبغي أن يُشرّع للأمريكيين، وكيف تنفق أموال دافعي الضرائب، ومن ينبغي لأمريكا أن تحالف، ومن ينبغي لها أن تؤدبه بالحرب.

من يحكم أمريكا؟ ومن يحكم العالم عبر أمريكا؟ لم يعد سؤالاً يطرحه أنصار نظريات المؤامرة، ولم يعد بحاجة إلى جواب، لأن أمريكا هي الكيان الصهيوني والكيان هو أمريكا، ومن كان يدعي معاداة الكيان، عليه أن يعادي أمريكا أولا حتى يصدق، ومن يريد تفكيك الكيان عليه أن يبدأ بتفكيك أمريكا إن استطاع إلى ذلك سبيلا.

المشهد يعرّي جميع سياسات الدول العربية والإسلامية التي تدّعي مقاطعة الكيان الصهيوني أو معاداته، فيما تسعى إلى توطيد العلاقات مع ظله في واشنطن، كما تعرّي الممانعين الذين يسوّقون لنهاية الكيان، ويزايدون على عملاء أمريكا من  بقايا العرب، فيما يتأهّبون لعقد الصفقة مع الشيطان الأكبر لاقتسام النفوذ في بلاد العرب، أو للشراكة مع الكيان في إدارة هذا الفضاء العربي المستباح.

كثيرٌ من العرب، من الموالي كما من أدعياء الممانعة، سوف يُصدمون حين تُكشف تفاصيل الصفقة الكبرى التي حُضّر لها في جنيف بين إيران والولايات المتحدة، وسوف يكتشف العرب الموالي من دول الخليج، كيف أن رب البيت الأبيض، الذي لم يحم بيته من صلف الصهيوني نتنياهو، لن يحرك ساكناً لحمايتهم من الصلف القادم من جيرانهم الأعاجم، وقد قدّموا له بما ينفذه الحوثيون في اليمن. وسوف يكتشف أدعياء الممانعة، ومعهم أدعياءالربيعالذي زعم تحرير الشعوب من الاستبداد لتحرير فلسطين من الاستعباد، كيف سخر منهم وسخروا باللغو الباطل لتمكين الصفقة القادمة، التي هي المدخل الآخر لبناء الشرق الأوسط الكبير الجديد، الذي يشعر فيه الجميع أنه قد انتصر باستثناء العرب، لأن الكيان سوف يقبل باقتسام كعكة الشرق العربي مع ملالي إيران والعثمانيين الجدد، كما رضي بها من قبل في زمن الشاه وعسكر الطورانيين.

ولأن الصداقات والعداوات بين الدول لا تدوم، فإن الأعداء بالأمس قد قبلوا الجلوس إلى طاولة التفاوض لاقتسام كعكة العرب: فرس، أتراك، روس، ألمان، وأمريكان، بعد أن فشلت أمريكا في التفرّد بإدارة الشرق الأوسط كما كان يحلم بها آل بوش، لأن الصفقة القادمة لا تعني الملف النووي الإيراني، الذي لم يكن سوى واجهة، بل سوف توزع الأدوار والمصالح، وتحرر مفردات ضبط الأمن بمنطقة يعول عليها لتمويل العالم بالنفط والغاز لخمسين سنة قادمة، لم يكن مسموحا أن تُترك إدارته وعوائده للعرب كما قال كيسنجر من قبل.

وحيث إن أمريكا هي الكيان والكيان هو أمريكا، فلن تسمح الصفقة القادمة بتهديد الكيان، وأن الطرف الآخر المتعاقد يكون قد قدّم ما يكفي من الضمانات، لن تسمعوا بعدها ذكراً لفيلق القدس، ولا لشعارالموت لإسرائيلبعد أن تكون الصفقة قد أسقطت شعارالموت لأمريكاوقد جُمّدت الأوضاع في لبنان حتى إتمام الصفقة ليمنح الطرف الممانع ثمن صرف النظر عن الكيان، ونتابع كيف تُجمع أوراق خريف العرب بالشام، وتتقاطر الوفود الغربية على دمشق، تحضِّر لإعادة تأهيل الأسد كشريكٍ في الحل، بعد أن كان يسوّق لترحيله كشرطٍ للحل، وسوف يُسترضى الحليف السعودي بتسوية في اليمن، تعيد الحوثيين إلى مغاراتهم بصعدة، بعد أن أنجزوا مهمة التخويف وإشغال أهل الخليج عن فاجعة الخسارة بالشام والعراق.

 

بقي لنا نحن العرب، أو من بقي منا، أن نسأل: هل التسوية التي تُحضّر لها الصفقة الأمريكية الإيرانية في المنطقة هي مقدّمة لحقبة سلام توقف حمام الدم الذي طال العرب وحدهم، وفكك دولهم، وخرب نسيجهم الاجتماعي؟ أم إنها مقدمة لمزيد من التمزيق والتفكيك، حتى يصير بقايا العرب قبائل واهية يُسمح لها فقط برعاية الإبل كما كانت قبل أن يشرفها الإسلام بقيادة الأمم؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
15
  • سيف الدين

    أولا أنا عربي حقا بالمعنى العرقي و ليس باللسان فقط و هويتي الثقافية هي من الاسلام و فقط لست ادافع عن اي منطلق عنصري او جنس بشري، و لا أظن الكاتب عنصريا او يستعمل استفزازات عنصرية فليس هذا عهدنا به في مقالاته السابقة

  • محمد63

    تعقيب في الصميم .
    لو أن الاسلام جاء للناس براية العنصرية والتغني بالهوية لما خرجت دعوته من مكة ولكنه لما كان عالميا فقد استطاع أن يجمع تحت لوائه بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي.
    قال الله-تعالى-:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
    أظن أن الكاتب يعلم هذه الحقيقة إلاأنه يتناساها في مقالاته.

  • أمانة

    عندما يعقب أحدهم على الآخر عليه أن يعقب بهوية معلومة وثابتة حتى يمكننا من حصر هويته الثقافية
    ثانيا أنا دعوت الكاتب الى نبذ التعصب العرقي للقومية العربية لانها ستخلق فينا نوازع عرقية نحن في الجزائر وان كنا عربا لغة وثقافة فلسنا عربا بالمعنى العرقي

  • بدون اسم

    دعوى الجاهلية التي عندك ليست من الاسلام "العالمي" لو تريدين فعلا الاسلام العالمي فيكون ذلك تحت عنوان المسلمين و فقط

  • بدون اسم

    أنت لم تفهم شيئا، دائما تذهبون إلى المعنى الناقص، هؤلاء الذين ذكرهم الكاتب هم العنصريون الذي يقاتلون للعصبة و يتعصبون للقبيلة

  • بدون اسم

    لماذا هذا الحكم القاسي والمتسرع على الاعاجم؟

    رغم أن كثيرا من توقعاتكم على الساحة الدولية كانت خاطئة.

    أرجو أن تراجعوا كتاباتكم من وقت لآخر لعلكم تتعلمون بعض الصبر وطول الاناة

  • بدون اسم

    لا فرق بين أعجمي و عربي الا بالتقوى

    لكنك يا أستاذ هبطت المستوى بزاف وتكلمت بلغة

    لا فرق بين العجمي والعربي الا القوة

    والفاهم يفهم

  • بدون اسم

    أحسنت

  • أمانة

    أستاذ راشدين إذا أرجعت المسلمين الاتراك الى هويتهم الطورانية والمسلمين الايرايين الى هويتهم الفارسية فحق لنا أن تنكلم عن هويتنا الأمازيغية ونطلق نحن أيضا هذه العروبة المزيفة ما دمنا محتفظين باسلامنا العالمي ولايضيرنا أن نتكلم بلغة القرآن

  • عبد الرحيم

    من المفيد تبيين حجم المؤامرات التي تحاك ضد الأمة من قبل أعدائها لكن الأفيد هو إرشاد الأمة لما يجب عليها القيام به من أجل التصدي لهذه المؤامرات,كيف يمكن لنا أن نقوي جبهتنا الداخلية المتهالكة المنقسمة على نفسها؟ماذا ننتظر من أعدائنا إذا كنا نحن ضعفاء؟؟؟

  • بدون اسم

    "هل التسوية التي تُحضّر لها الصفقة الأمريكية الإيرانية في المنطقة هي مقدّمة لحقبة سلام توقف حمام الدم الذي طال العرب وحدهم، وفكك دولهم، وخرب نسيجهم الاجتماعي؟ أم إنها مقدمة لمزيد من التمزيق والتفكيك، حتى يصير بقايا العرب قبائل واهية يُسمح لها فقط برعاية الإبل كما كانت قبل أن يشرفها الإسلام بقيادة الأمم؟"...فحسب الواقع الفكري المتردي لدى الأعراب (من الأسفل إلى الأعلى و العكس) فلديهم القابلية لذلك أي القابلية لأن يكون قبائل متفرقة القوي منهم يأكل الضعيف كما كانوا في عهد الجاهلية الأولى؟

  • الياس

    أمريكا لا تتفاوض مع العملاء من عثمانيين جدد و متأسلمين نعاج امريكا تفاوض الاقوياء و الأحرار الذين يركعون لله و لايخافون لومة لائم من عقوبات وحصار وتهديد في اعلان تقديم كل الدعم للمقاومات في مواجهة الإحتلال الصهيوني و الأمريكي

  • فيلسوف

    سيرعى العرب الإبل و فقط, هذا مسلم به, حتى إشعار أخر, حين يتجدد الدم في عروق أبنائهم و أحفادهم القادمين, هذا إن تركوا لهم حرية الإنجاب.

    ناس يحظر لاستعبادهم من جديد و هم يغنون "الشعب يريد"

    اللهم قربنا من نورك الذي لا يزول و باعد بيننا و بين القوم الجاهلين.

  • قاسم

    العالم هو غابة البقاء فيه للاقوى والعرب مثلهم مثل قطيع من الجواميس الحمقاء الغبية رغم بنيتها الجسمية الضخمة وكثرتها الا انها لا تعمل كمجموعة وتتكتل بل كل يوما يزدادون تشتتا وتناحرا بسبب ابتعادهم عن تعاليم دينهم الحنيف فتداعت عليهم الامم كما تداعى الاكلة على قصعتهم او كما قال الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ولا حول ولا قوة الا بالله

  • محمد63

    التغني بالعروبةوالقومية العربية اسطوانة سئم الجميع سماعهاوأصبح ذكرها مضحكا بل مقرفا .
    العرب أعزهم الله يوما ما بالاسلام وكانوا به سادة العالم ولما تخلوا عنه واستبدلوه بإيديولوجيةالشرق والغرب سقطوا في مستنقع الذل وأصبحوا من الخدم.
    الأمم تفرض نفسها بالعلم والعمل وبإخلاص قادتها وبذلك توجد لها مكانا تحت الشمس ويحق لها أن يكون لها رأي ودور في هذا العالم الذي لا مكان فيه إلا للأصلح والأقوى ،وهذا ما ينطبق على ما من يسميهم الكاتب بالصفويين الجدد والطورانيين الأتراك بلغة عنصرية حاقدة لا يليق أن تصدر منه.