-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

زواج الصمود.. تضحية بطولية أم دمار مؤجل؟

ليلى حفيظ
  • 151
  • 0
زواج الصمود.. تضحية بطولية أم دمار مؤجل؟

الكثير من الأزواج، زيجاتهم فاشلة ومنتهية، ولكنهم مستمرون في العيش مع بعض، فقط لأجل الأولاد. هذه هي الفكرة المتداولة والرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح: هل تلك التضحية صحيحة وصحية لأجل الزوجين بالدرجة الأولى ولأجل الأولاد في المقام الثاني؟ أي، هل هذا النوع من الزواج الذي يستمر فيه الزوجان مع بعضهما البعض، فقط لأجل الأولاد، الذي يسميه البعض زواج الصمود، هو تضحية بطولية تستحق أن يدفع فيها المرء سعادته كضريبة لأجل أولاده، الذين يغلب مصلحتهم على مصلحته الشخصية؟ أم إنه دمار مؤجل، سيدفع ثمنه الكل آجلا؟

زواج الصمود، هو نوع من الزيجات التي تسمى في علم النفس الأسري بالزواج منخفض الجودة، الذي توصف به العلاقات الزوجية المستمرة والصامدة شكليا، لكنها هشة وجوفاء من الداخل، يسودها الهدوء، يظهر عليها الاستقرار والتماسك. لكنها، في الواقع، عكس ذلك تماما. فهي منكسرة، أو ربما ميتة من الداخل. الزوجان مستمران مع بعضهما البعض، فقط لأجل الأولاد. أما زواجهما بحد ذاته، فلا يحقق لهما الغاية السامية من ورائه. وهي السكن والمودة والرحمة. فلا راحة نفسية ولا إشباع عاطفي، ولا حتى جسدي أحيانا. ومن أمارات أو علامات زواج الصمود: غياب الحوار الفعلي والعميق، إذ لا حديث نهائيا بين الطرفين، أو إنه يقتصر فقط على الضروريات والالتزامات ومتطلبات الأطفال، البرود العاطفي أو حتى الجنسي، غياب التعبير عن الحب، لأنه غير موجود من الأساس، قلة الدعم والتفهم والتفاهم بين الطرفين، الإحساس بالوحدة والاغتراب، رغم قرب الشريك مكانيا، الهجر في الفراش أو الانفصال في غرفتين مختلفتين، أو ما يسمى بطلاق النوم، الاستمرار في العلاقة الزوجية لأجل الأطفال وفقط، أي بدافع مصلحتهم الفضلى، مع تمني الخلاص من هذه الزيجة، لو أتيحت لهما ظروف مغايرة.

زيجة ميتة

حطم لي حياتي… هذا ما تقوله نعيمة دائما، وهي تحكي عن زوجها مراد، الذي استمرت في العيش معه لأكثر من عشرين سنة زواجا. كانت،كما تؤكد: “في أغلبها، مرة مريرة. انفصلنا عاطفيا وجسديا عن بعضنا منذ أعوام عديدة. ولكن، لا أحد تشجع أو تجرأ أو حتى تهور بالسعي في إجراءات الطلاق أو الخلع، ليطلق رصاصة الرحمة على جسد زيجتنا الميتة إكلينيكيا، منذ أكثر من عقدين”. وحين تسألها عن السبب، تجيبك وكلها ثقة: “بسبب أطفالنا طبعا. فضلنا مصلحتهم على مصلحتنا. وآثرنا أن يعيشوا في أسرة متماسكة، بدل أسرة مفككة. ولو على حساب سعادتنا.”

لكن المضحك المبكي في تجربة السيدة نعيمة، أن جل أولادها الذكور منحرفون. ودخلوا السجن في قضايا تعاطي وترويج مخدرات. فعن أي استقرار تتحدث، وأي جدوى من صمودها في زواج فاشل، ما دام أثره الإيجابي لم تظهر أماراته على سلوك وحسن تربية أولادها؟!

ابحث عن حل ولا تستسلم للوضع القائم 

أشارت الدراسات في علم النفس الأسري إلى أن الأطفال لا يتأثرون فقط بالنزاعات الأسرية والعنف اللفظي والجسدي الواضح، بل يتأثرون كذلك بغياب التفاعل العاطفي بين الوالدين. فالنمو العاطفي السليم للطفل يحتاج إلى صورة سوية وحية من التواصل اللفظي، الاحتواء، الحب، التعبير الصحي عن المشاعر، المودة والرحمة. وحين لا يلاحظ ولا يجد الطفل كل ذلك، قد يطور صعوبات في فهم مشاعره والتعبير عنها. وقد تتشوه لديه الصورة السوية والصحية للعلاقة الزوجية السليمة، ما قد يجعله يعيد إنتاج نفس النمط في علاقاته العاطفية أو زيجاته المستقبلية. فالطفل يتعلم بالنماذج، أكثر مما يتعلم بالتلقين والتوجيه. وهو لا يحتاج فقط إلى أبوين معا، بل يحتاج إلى بيئة صحية. فالأولاد لا يتضررون من طلاق الوالدين فقط، بل قد يتضررون من الصراع المستمر بينهما، الجو المشحون، غياب الأمان، البرود العاطفي… وأحيانا، قد يكون الانفصال الناضج المحترم النظيف، أفضل من زواج تعيس متعب مليء بالصمت والبرود أو التوتر والبغض المبطن. ولكن هذا لا يعني أننا نشجع على الطلاق، وإنما نحن ندعو إلى البحث عن حلول ناجعة لزواج الصمود، بالحوار والنقاش والسعي للإصلاح حتى يتحول إلى زواج سعيد وصحي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!