سابقة.. المهزوم يملي شروطه!
لأول مرة في التّاريخ يقوم الطّرف المهزوم في المعركة برسم خارطة طريق لما بعد الحرب وإملاء شروطه على المنتصرين.. هذا ما حدث في العاصمة المصرية أوّل أمس، عندما استدعت الرئاسة المصرية طرفا واحدا من الفرقاء الليبيين، وأطلقت مبادرة تدعو إلى وقف إطلاق النار ابتداءً من اليوم الاثنين وتفكيك ما وصفتها بـ”المليشيات” التابعة لحكومة الوفاق وتسليم أسلحتها!
اللّواء خليفة حفتر، الذي تمرّد على الحكومة الشّرعية المعترف بها دوليا وقاد حربا ضدها بدعم عسكري ومالي من الإمارات وفرنسا وروسيا ومصر، حطّم كل الأرقام القياسية في عدد الهزائم في المعارك، ولم ينفعه مرتزقة شركة “فاغنر” الرّوسية ولا مرتزقة “الجنجويد” السودانية في فرض المنطق الانقلابي، وبعد أن تراجعت قواته في عددٍ من المدن اللّيبية تحت ضربات قوات الوفاق المدعومة من تركيا، حاول القيام بمناورته الأخيرة باللجوء إلى الحليف الاستراتيجي في مصر لعله يُقنع المجتمع الدولي بحل سياسي للأزمة اللّيبية بعد أن تهرَّب لأشهر في مقابل محاولة حسم المعركة عسكريا.
لكن يبدو أنّ حكومة الوفاق المعترَف بها دوليا، والتي تحتفظ بعلاقات متميزة مع الجارتين الجزائر وتونس، تعرف جيّدا خلفيات المناورة الأخيرة لكل من اللّواء حفتر ورئيس مجلس النّواب الموالي له عقيلة صالح، لذلك سارع محمَّد قنونو النّاطق باسم قوات حكومة الوفاق إلى إطلاق رصاصة الرَّحمة على هذه المبادرة التي وُلدت ميتة، بالقول إنه ليس لدى قوات الحكومة وقت فراغ لمشاهدة هرطقات خليفة حفتر على الفضائيات.
هذه المبادرة تجاوبت معها الدولُ الداعمة في الأصل لخليفة حفتر، مثل الإمارات والسعودية وفرنسا، بينما لم تتجاوب معها دولٌ محورية في المنطقة مثل الجزائر التي آثرت الصّمت ولم تُصدر بيانا أو تصريحا بشأنها، وهي التي طالما دعت إلى حل سياسي للأزمة الليبية يجنِّب هذا البلد الشقيق ويلات الحرب، ولم تكن الدولُ الداعمة للواء خليفة حفتر تتجاوب مع الطرح الجزائري.
ومن الواضح أن أي حل سياسي مستقبلا في ليبيا يجب أن لا يكون للواء خليفة حفتر دورٌ فيه، لأن معطيات الميدان لا تعطيه الأهلية لذلك، في ظلِّ استمرار سقوط المدن الليبية الواحدة تلو الأخرى بين أيدي قوات الوفاق، وفي ظل تغيير الولاءات في أوساط القبائل الليبية التي بدأت ترى مستقبلها مع حكومة شرعية ومعترَف بها دوليا، وليس مع عسكري متمرد مهزوم في الميدان.