نيشان
ساعة الإنقاذ.. الحقيقي
تبدو الجزائر اليوم – بالنظر إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية الاقتصادية- أحوج ما تكون إلى حركة إنقاذ حقيقية، تتحمل بواسطتها القوى الخيرة السليمة في المجتمع السياسي والمدني، في الجيش والإدارة – ومختلف الأسلاك- مسؤوليتها التاريخية: تحرير مشروع البناء الوطني وتأمينه في الوقت نفسه.
-
والشاهد على ضرورة الإنقاذ في شقه السياسي يجسده المؤتمر الأخير لجبهة التحرير الوطني، الذي اختتم كما بدأ بدون قضية! غير “قضية” التشاجر على حضور زردة – شحيحة الإطعام! – والتناحر على مقاعد اللجنة المركزية المزروعة بالمسامير!
-
أين البرنامج الذي يطرح عادة على مثل هذه المناسبة الدورية؟ وأين الاختيارات الرئيسية والسياسات القطاعية؟ وأين موقف “الحزب الهرم” من أمهات القضايا التي تهز الجزائر ومحيطها القاري والعربي.. والعالم أجمع؟
-
كان المفروض أن تيعش البلاد لحظة انتعاش سياسي، تسبق المؤتمر، وتواكبه وتتواصل بعده؛ لحظة يعرف المجتمع خلالها أن فئة من أبنائه طرحت بعض همومه أو جلها، وحاولت صادقة أن تبلورها في مسائل ملموسة، واجتهدت في البحث عن حلول جدية لهذه المسائل..
-
هناك أسئلة محرجة تفرض نفسها على جزائر اليوم، يعتبر المؤتمر في الأعراف الحزبية، المناسبَةَ المثلى لاقتراح حلولها، حسب المذهب السياسي للحزب وإيديويولجيته وأولوياته الاجتماعية الاقتصادية.
-
هناك أسئلة محرجة تفرض نفسها في ميدان التصنيع مثل: هل أصبح التصنيع في عداد المحظورات على دولة نامية كالجزائر مثل استعمال الطاقة النووية حتى لأغراض سلمية؟! وما هو اجتهاد “جبهة التحرير” في مجال التصنيع عموما؟ وما هو رأيها في تركة الرئيس بومدين الصناعية؟ وهل يمكن إنقاذها وتطويرها والتسلل بواسطتها إلى السوق العالمية؟ أم أننا تركناها للصدأ والتآكل، حتى أصبحت خردة لا مجال لإنقاذها إلا بتفكيكها وبيعها بالكلغ كأية خردة؟!
-
وما نسبة التصنيع اليوم في إجمالي الناتج الداخلي قياسا بالأمس؟ ولماذا تراجعت بنحو أربعة أضعافها؟!
-
وهناك أسئلة محرجة تفرض نفسها في ميدان الفلاحة والخدمات ومختلف النشاطات ذات الطابع الاقتصادي.
-
وهناك أسئلة أكثر إحراجا على الصعيد الثقافي مثل: ما علاقة سياسة “برنامج الرئيس” في هذا القطاع بالاختيارات التاريخية لجبهة التحرير الموروثة عن الحركتين الوطنيتين الثورية والإصلاحية؟!
-
فأين “الحزب الهرم” من كل هذه الهموم المصيرية؟! وما محل المؤتمر الأخير من إعرابها ؟!
-
لم يسمع الرأي العام – أو شرائحه التي ما تزال تولي بعض الاهتمام لهذا الحزب – شيئا يذكر على هذا الصعيد الحيوي، لا قبل المؤتمر ولا أثناءه ولا بعده!
-
وهناك شاهد ثان على ضرورة الإنقاذ في شقه الاجتماعي الاقتصادي، تعيشه البلاد في شكل تململ وغليان بركاني مزمن يكاد يتنفس يوميا عبر الانتفاضات المحلية، كمظهر من مظاهر المقاومة السلبية للوضع القائم. هذه المقاومة التي تشكل نزيفا خطيرا للمال العام، وتبديدا أخطر للطاقات في التخريب بدل التعمير.. ويمكن أن نجمل ضرورة الإنقاذ بالنظر إلى حال البلاد في مرآة شاهدين:
-
* شاهد من أصدقاء الجزائر هو الكاتب الصحفي جان دانيال الذي أطل علينا من إحدى الصحف المحلية منبّها إلى:
-
1- “أن الجزائر تبدو – للملاحظ الأجنبي- كبلد مغلق وجامد ومنطو على نفسه، وأنها لا تقوم بمبادرات -جادة- لتنمية نفسها”.
-
2- “أن ليس هناك تقدم ملموس على صعيد إجمالي الناتج الخام الفردي ومستوى المعيشة والحماية الاجتماعية”
-
* الشاهد الثاني هو الاقتصادي عبد الحق العميري الذي أشار أخيرا إلى عبثية الفعل الإنمائي بالجزائر من خلال عامل “المضاعف الاقتصادي الكلي”، أي مردود الاستثمار باختصار.
-
وخلاصة ذلك أن الجزائر تستثمر -فعليا- نحو 17٪ من إجمالي الناتج الداخلي سنويا، لتجني – نظريا- نحو 6٪ من النمو الاقتصادي، وبعبارة أخرى أننا نستثمر بالخسارة! قياسا إلى بلد كالصين مثلا يقدر خبراؤه أنه يستثمر 1٪ ليجني 3٪ !
-
أين جبهة التحرير ومؤتمرها الأخير من كل هذه الهموم المصيرية؟! أليس من حقنا أن نكبّر عليها أربعا وندفنها بلا تأبين ولا أسف؟!
-
لكل ذلك نؤكد مرة أخرى أن الجزائر بحاجة إلى حركة إنقاذ حقيقية، تتحمل بواسطتها “القوى السّليمة” – على غرار قوى بيان فاتح نوفمبر 1954 – مسؤوليتها التاريخية، في إطار جبهة واسعة لا للتحرير، بل للتعمير.. جبهة تحرر طريق التنمية الشاملة وتمهّده، وتؤمّنه كذلك من عبث العابثين وكيد الكائدين..