سحر الشرق
في شرق مؤرَّق في الحرب كما في السلم، فقد المناعة منذ أن طلقت شعوبه قيادة الإسلام، لا ينبغي أن يحزنك ما سوف تراه قريبا من تبدل في الولاءات وتبادل في الأدوار، حتى حين تسمع أن السفاح نتانياهو قد يستلم راية قيادة محور “الممانعين الجدد” لابن العم سام، في اللحظة التي يتعزز فيها صف محور الاعتدال المعتل، بوافد قوي مؤتمن من حزب الممانعة المنحل.
الأنباء السيّئة الوافدة على المشرق العربي منذ مطلع هذا الشهر، قد تدفع بعضهم إلى اليأس والإحباط، أجملها في عناوين سريعة: انتصار للمحور الإيراني في اليمن، وتقدّم لحلفائها في سوريا، مع حصول موقف أمريكي جديد من الأسد، والإشهار الرسمي لعقد زواج المتعة بين حسين باراك أمريكا وعلي المرشد الأعلى، وأخيرا تجديد المعمّرين الصهاينة للسفاح نتانياهو عهدة رابعة، قد تسمح له بحضور الاحتفال الصهيوني اليهودي القادم بعد عامين بالذكرى الـ70 لميلاد الكيان، والذكرى الـ50 لاحتلال القدس.
دعونا نتوقف لحظة عند الحدث الأبرز الذي صدم كثيرا من العرب، مع تعاظم التصريحات الرسمية الإيرانية والأمريكية حول قرب الإعلان عن تسوية شاملة بين الطرفين، في ملفات عالقة بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، ليس الملف النووي فيها سوى رأس جبل الجليد، وأنها سوف تطال بالضرورة الدور القادم لإيران في المنطقة، وحصتها من النفوذ في إدارة الإقليم على حساب العرب، ثم نبحث بعقل بارد في ما قد يترتب عنه من تداعيات على العرب.
على مستوى الدول، وباستثناء خسارة العرب للعراق الذي ضاع، وسورية التي تضيع، فإن التسوية لن تسمح لإيران بأكثر من توثيق موطئ القدم في العراق، مقابل ضمان المصالح النفطية الأمريكية فيه، وحق النظر في سياسات الحكومة، خاصة تجاه الحلفاء الأكراد، وفي سوريا يصاغ توافق يبقي على مواقع الحليفين: نظام الأسد وحزب الله، مع ترتيبات ناعمة تضمن تأمين إسرائيل، وهي تطوير لحالة كانت متوقعة، قد أدرجت في الحسبان منذ حرب تموز 2006.
ثم إنه ليس لعاقل عارفٍ بخصوصية العلاقات الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والسعودية، أن يتوقع تخلي الولايات المتحدة عن حليف مثل السعودية، لم ينته دوره الوظيفي بعد، ليس فقط في المنطقة بل في ما هو معول عليه في الحروب الأمريكية بـ”المسلمين المجانين” في آسيا الوسطى، فضلا عن دورها الضامن للسياسات الأمريكية داخل أوبك، وفي تأمين استمرار العلاقة العضوية بين الدولار والنفط، ولأجل ذلك فإن التوافق الأمريكي الإيراني لن يفتح لإيران باب تهديد دول الخليج، لا من قريب ولا من بعيد، إلا في حالة حصول تغيير دراماتيكي في موقف حكام الخليج، إما من جهة تهديد الرابط المقدس بين النفط والدولار، أو من جهة تغيير مصادر التسلّح، أو الذهاب فوق ما هو مسموحٌ به في إعادة تأهيل مصر كقوّة، وكلاعب أساسي في الشرق الأوسط.
وفي الملف اليمني، الذي تُرك فيه هامش مناورة محسوب ومؤقت لإيران، سوف يُقفل كما فتح، بإعادة الحوثيين للموقع الذي كانوا عليه صبيحة التسوية التي تمت تحت عباءة مجلس التعاون الخليجي، ليس إرضاء للحليف السعودي، بقدر ما هو طمأنة للكيان الصهيوني الذي له مصالح حيوية بمنطقة باب المندب، كبوّابة حراسة مكمّلة لبوابة العقبة على البحر الأحمر والمحيط الهندي وشرق إفريقيا.
وكما نرى، وحتى مع تحوّل هذه التوقعات من فرضيات إلى واقع، فإنها لن تغيّر كثيرا من أحوال المنطقة كما حصل بعد سقوط بغداد، ويحسن بنا أن نقرأ ما سيترتب عنها من وضوح في الصورة، وسقوط بعض ما بقي عالقا من أساطير عند جمهور “الممانعين” كما عند “المعتلين” ولأجل ذلك يأتي تجديد العهدة للسفاح نتانياهو بإيقاع النغمة النشاز في سنفونية محبكة، كان يراد لها أن تختم عهدة أوباما بتنشيط جاد لمفاوضات سلام، لم يعُد لها خصومٌ في الجانب العربي والإقليمي الرسميين، كانت ستغلق ملفات الشرق الأوسط، وتحرر الإمبراطورية الأمريكية لمعاركها القادمة في آسيا.
لعبة تبادل الأدوار وتبدّل الولاءات التي هي اختصاص شرقي صرف، هي على وشك أن تنقل مركز “محور الممانعة” من طهران ـ دمشق ـ والضاحية، إلى تل أبيب والقدس المحتلتين، لأن الكيان الذي تُرك له الحبل على الغارب في سياسة الاستيطان، قد قطع فيها نقطة لا رجوع، لم يعد يملك بعدها سوى واحد من أمرين. الأول: عسكري، وسوف يمتنع عليه بمجرد الإعلان عن التسوية، والثاني: استنساخ سلوك محور الممانعة، بحرمان الإدارة الأمريكية حتى من ورقة إعادة تحريك مسار السلام، فضلا عن التوصّل إلى تسوية بمفردات أوسلو، وقد استمعنا إلى نتنياهومنذ يومين وهو يعلن على الملأ أنه لم ولن يقبل بحل الدولتين، الذي هو قلب مسار أوسلو.
في هذا الشرق المؤرق في السلم كما في الحرب، ليس لك أن تجهد نفسك في تمييز ممتنع بين دوائره الفاسدة المزمنة، ودائرته الفاضلة اليتيمة في تاريخه الطويل، وقد فقدها يوم فقدت شعوبه، بجميع أعراقها، ومللها، وطوائفها، قيادة الإسلام، التي منحتهم فضلا عن السلم والتعايش السمح، أطول فرصة مناعة وحصانة من العدوان الوافد من الاتجاهات الجغرافية الأربع.