سياسة تجديد النسل من بيضة الديك
لا خوف على مستقبل “داعش” وأخواتها، لأن حكام الدولة الحديثة قد ضمنوا لها فرص البقاء والنماء والتمدد، وهي بنت “ذوات الرايات” قد علمنا من استبضعها أول مرة، فوجب أن نقتفي أثر من زار فراشها من قبل ومن بعد، ومن يسهر على إعداد أجيال من الشباب أهّله التعليم لمهنة التهميش، حتى يصلح للخدمة في جند الخلافة.
إذا كانت أمريكا قد هيأت لـ“داعش” الجيل البكر من مسرّحي الجيش العراقي، فإن كل بلد عربي وإسلامي ينفذ اليوم سياسات محكمة مستدامة لتخريج دفعات متعاقبة لتجديد جيش البغدادي، بمواصفات علمية وتقنية لم تتوفر من قبل لـ“قاعدة” بن لادن، أو لـ“جسدق” بلمختار، حتى أن الإعلام الغربي منبهر اليوم بما أظهرته “داعش” من كفاءة في إدارة مدن “الخلافة“، وقيادة عمليات معقدة لاستخراج النفط، وتكريره، وتسويقه.
منذ يومين تابعت تحقيقا عن معمل “رونو” الجديد بالجزائر، فاستوقفتني نسبة العمالة التقنية من الإناث وقد فاقت قبل خروج أول سيارة نسبة 40 بالمائة، في بلد يطرق لأول مرة قطاعا ميكانيكيا هو في موطنه الأصلي قطاعٌ ما يزال حكرا على الذكور.
وبالأمس فقط، اضطرت إدارة الجمارك إلى إعلان تحريم الخمار على إناثها، ربما لأن عددهن قد أصبح ظاهرا للعيان، كما هو اليوم ظاهرٌ في كثير من الأسلاك الأمنية، وحتى في صفوف الجيش، وفي أسلاك العدالة، وفي كثير من المهن التي بقيت مهنا “ذكورية” حتى في الدول الغربية، مع وجود قوانين صارمة فيها تفرض “التمييز الإيجابي” لصالح المرأة، فضلا عمّا تحقق للمرأة من غلبة متنامية في مهن تليق بها مثل: الطب والتعليم، وأسلاك السكرتاريا.
بعيدا عن هذا التبسيط الذي قد يخدش عن غير قصد مشاعر الأم والزوجة والبنت، فإني لا أعادي حق المرأة في العمل وأنا أبٌ لثلاث بنات، لكني أحذر من هذه السياسات الرعناء التي تحاكي بحماقة السياسات الغربية الشاذة، وقد رأيناها تنتقل من مرحلة “تأنيث” طبقاتها الوسطى إلى حالة “تخنيث” النصف الباقي من المجتمع، بعد أن أسقطت التوازن الطبيعي، وأخلت بالاختصاص الجنسي، وقد ساعدتها حالة الوفرة ويسر الحال على التأنيث المتعاظم من دون إقصاء الذكور، ولم تكن مثقلة بثقافة معوقة مثل ثقافتنا الشرقية، قد أضاف إليها الإسلام تحميل الرجل مسؤولية بناء الأسرة، وألزمه باستحقاقات القوامة وواجب الإنفاق.
ثم إن بلداننا تفتقر إلى مقوّمات موضوعية للتوظيف الشامل حتى تنخرط في “مناصفة عمياء“، وهي تحتاج من باب العدل إلى أن تكون مقرونة بمراجعة منصِفة عند تقسيم الأعباء، كأن تعمم الخدمة الوطنية أو تلغى، ويعدل قانون الأحوال الشخصية، بتحديد سقف أعلى للصّداق أو يلغى، ويعطل مبدأ القوامة، ولن يكون ذلك إلا بتعطيل أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية كما عُطلت في غيرها، أو ربما يكون هنا بيت القصيد، ومربط الفرس، والغاية المضمرة في “تأتآت” التأنيث بالتقسيط، قبل “التخنيث” بالجملة، بعد أن يُهجر الشبان إلى دار خلافة البغدادي، ويخلو الجو للقنبرة تصفر ولا يعنيها أن تبيض، فارقبوا وقتها تجديد النسل من بيضة الديك.