-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
التحف المعمارية تشهد على تاريخها العريق

سيدي بلعباس… مدينة القصور ومتحف على الهواء الطلق

زواوية. ق
  • 175
  • 0
سيدي بلعباس… مدينة القصور ومتحف على الهواء الطلق
ح.م

تتميز ولاية سيدي بلعباس بطابعها المعماري الفريد من نوعه، حيث تكثر بها القصور، والبنايات القديمة، والتي يعود تاريخ تشييدها إلى ثمانينيات القرن التاسع عشر، خاصة وسط المدينة، التي انبهر نابليون بقصورها وصاح قائلا: “إنها باريس الصغيرة”، لأنها كانت ولا تزال نسخة مصغرة من عاصمة فرنسا .
لا يختلف الباحثون والمؤرخون على أن مدينة سيدي بلعباس هي مدينة حديثة النشأة، حيث يعود تاريخ بنائها للخامس جانفي سنة 1849، وكان لها أربعة أبواب، باب وهران، باب تلمسان باب معسكر، وباب الضاية، وكانت هذه الأبواب تفتتح صباحا وتغلق في المساء، لحماية المعمرين من المقاومين والقبائل الجزائرية، التي كانت تتمركز بالمنطقة آنذاك، على غرار بني عامر، أولاد إبراهيم وأولاد سليمان، هذه القبائل التي كانت معروفة بدعمها لمقاومة الأمير عبد القادر. لذلك شيد الجنرال لاموريس مدينة عسكرية ومستوطنة على أرض سهلية بجانب وادي مكرّة، اعتمد فيها على الطابع المعماري الباريسي .
فالمتجول بمدينة سيدي بلعباس يلفت انتباهه كثرة القصور والبنايات، التي تعكس مختلف أنواع الهندسة المعمارية، فلكل واحدة منها حكاية تاريخية، مجسدة بتفاصيلها الهندسية .
ومن ضمن الموروث التاريخي المعماري الذي تزخر به مدينة سيدي بلعباس، القصور الكثيرة، التي يقدر عددها بـ12 قصرا تقع داخل النسيج الحضري، بعضها تآكل وانهار بفعل الزمن والعوامل الطبيعية، وبعضها الآخر لا يزال يقاوم الظروف الطبيعية، والإهمال البشري، قبل أن تعيد السلطات في الآونة الأخيرة نظرتها لهذا الموروث الثقافي والتاريخي، وتقرر ترميم قصرين كعملية أولى.

ترميم قصر “ليو باستيد” وتحويله إلى ملحقة للبلدية
يعد قصر “ليو باستيد”، واحدا من بين أفخم وأعرق المعالم الأثرية، التي تزين الطابع المعماري للمدينة، حيث يعود تاريخ تشييده إلى عام 1850 من طرف المعمر ليون باستيد، الذي كان آنذاك يشغل منصب رئيس بلدية سيدي بلعباس. يتميز قصر “ليو باستيد” بجمال هندسته المعمارية، التي تنتمي لطابع الباروك، جمال عمارته انبهر بها نابليون الثالث، عندما زاره سنة 1864 بدعوة من مالكه، ويضم هذا القصر واجهة مزخرفة، بوابة ضخمة، حديقة شاسعة بها نافورات للماء. وبعد انقضاء الفترة الاستعمارية، ظلّ القصر مغلقا، إلى غاية منتصف سنوات الثمانينيات، أين حوّل إلى مقر مفتشية الجمارك، قبل أن يتم إخلاؤه بسبب حالته المتدهورة، حيث منحه والي سيدي بلعباس منذ أكثر من سنتين إلى مصالح بلدية سيدي بلعباس، هذه الأخيرة قامت بعملية ترميمه، التي كلفت خزانتها 7.4 مليار سنتيم، كما حرصت على أن تحافظ الأشغال التي انتهت مؤخرا، على خصوصية طابعه المعماري، ومن المنتظر أن يحول القصر إلى ملحقة لعقد القران، بعد أن كان مقررا في بداية أشغال الترميم، تحويله إلى متحف توضع به الممتلكات المادية واللامادية للولاية والآثار القديمة.
كما انتهت أيضا مصالح بلدية سيدي بلعباس مؤخرا، من ترميم القصر المتواجد بحي القرابة العتيق بوسط المدينة، حيث بلغت تكلفته 4.5 مليار سنتيم، بعد أن قامت باسترجاعه من جمعية “الطيبي العربي”، التي استغلته لسنوات طويلة كمقر لهذه الجمعية. مصالح البلدية استرجعته في إطار عملية إعادة تثمين ممتلكات البلدية، ومن المنتظر أن يخصص هذا القصر، الذي يتميز بطابع معماري مختلط الأنواع، مثل الطابع العثماني، الكلاسيكي القديم، كإقامة لاستقبال الضيوف عند زيارتهم للمدينة، وسيطلق عليه اسم “دار الضيافة”، كما أن مصالح البلدية اقترحت على الجهات المختصة تصنيفه كمعلم تاريخي وطني.

تحويل قصر “لومي” إلى متحف للفن
يعتبر قصر “لومي” المتواجد بطريق وهران، واحدا من أقدم القصور التي تمتاز بطابع معماري فريد من نوعه، وبموقع جغرافي استراتيجي، بني سنة 1939، بتصميم هندسي من المهندس المعماري الفرنسي لويس لامي المعروف عالميا بـModern Style تم منحه إلى مديرة الثقافة، التي هي بصدد إعداد دراسة تقنية، من أجل ترميمه، وإعادة تهيئته وتحويله لمتحف ثقافي، سيكون تابعا لوزارة الثقافة .
مقر بلدية سيدي بلعباس، هو الآخر يعد من القصور الفاخرة، كان يعرف باسم “فندق المدينة” سابقا، قبل أن يتحول إلى مقر للمجلس الشعبي البلدي لسيدي بلعباس. هذا الصرح المعماري بني سنة 1875 من طرف شركة “هامون” ولا يزال شاهدا على فن الهندسة المعمارية العالمية للإمبراطورية الثانية، غرفه غنية بالزخارف الخارجية والداخلية، وقد تم تصنيفه مؤخرا كمعلم تاريخي وطني، وتم ترميمه سنة 2014، بغلاف مالي قيمته 14 مليار سنتيم، واستعانت مصالح البلدية بشركة إسبانية من أجل ترميم هذا القصر، بهدف الحفاظ على طابعه المعماري .
قصر نابليون هو الآخر يمثل تحفة معمارية، تتوسط قلب مدينة سيدي بلعباس، ويستغل اليوم كإقامة للوالي، ويعرف بقصر نابليون، لأن هذا الأخير كان يقيم به خلال زياراته لسيدي بلعباس. كما انطلقت أيضا أعمال التهيئة والترميم بالقصر الكبير الذي كان مقرا لمصالح دائرة سيدي بلعباس، قبل الانتقال منه، بسبب تدهور حالته، ومن المنتظر أن يحول هذا القصر إلى فندق فور انتهاء أشغال التهيئة به.
ومن بين القصور التي سيتم ترميمها أيضا قصر “ديكريون”، الذي يعود تاريخ بنائه إلى 1877، وكان مخصصا كمقر لمحافظة حزب جبهة التحرير الوطني، تم وضعه مؤخرا تحت تصرف مديرية الثقافة، حتى يتم ترميمه وتحويله إلى معلم سياحي وثقافي، في انتظار تخصيص عملية مماثلة لرد الاعتبار لقصر “قندوز” الواقع بحي الساقية الحمراء، الذي يجمع بين الطراز المعماري العربي والأندلسي، بعد الحالة المتدهورة التي أصبح عليها، خاصة بعد اقتحامه من طرف بعض المواطنين، للإقامة به بشكل فوضوي، وهناك أيضا قصر “لازاري” أو ما يعرف بقصر “جامبيتا” وقصر “غوشو” وقصر “الغزلان”، وبحسب المؤرخين المهتمين بتاريخ المدينة، فقد كان يسكنه أحد المعمرين، وكان لديه غزالان، ولهذا سمي بقصر “الغزلان” وأصبح مهملا.

قصور مهجورة وبعضها منهار
بالمقابل، تبقى القصور التي شيّدت من طرف المعمر الفرنسي خارج النسيج الحضري، في وضعية جد متهالكة، رغم أنها تحف معمارية وفنية، بينما انهارت قصور أخرى بشكل كامل، فيما تم هدم أخرى مثل قصر “بيلا” الواقع بطريق وهران، الذي تمت إزالته عن آخره، وإعادة إسكان قاطنيه، في الوقت الذي كان يجدر فيه إعادة ترميمه حتى يكون مكسبا سياحيا.
ومن بين هذه القصور، التي تعرف وضعية كارثية قصر “بيران” القديم، الذي يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1880 وتم تشييده بنمط إمبراطوري فريد من نوعه، هذا القصر كان ملكا لعائلة إنتوني بيران الفرنسية منذ سنة 1845 حيث كانت تقيم به خلال عطلتها الصيفية، وتقع هذه التحفة المعمارية على الطريق المؤدي إلى بلدية سيدي لحسن، ويتربع على مساحة ثلاثة هكتارات، منها مساحة مغروسة بالأشجار المثمرة، إلا أن الإهمال طاله خلال السنوات الماضية، وتعرض للتخريب وسرقة كل أبوابه ونوافذه وقرميد السقف.
فهذا المعلم التاريخي، الذي يعد إرثا ماديا ومعلما تاريخيا، يحتاج إلى التفاتة من السلطات المحلية، خاصة أنه تقرر في وقت مضى ترميمه واستغلاله، إلا أن هذا المشروع لم ير النور بعد.

“نثمن تحرك المسؤولين ونطالب بالمزيد”
رئيس جمعية الحفاظ على التراث التاريخي السيد طلحة جلول، ثمن في حديثه مع “الشروق اليومي”، تحرك السلطات المحلية، بعد سنوات من الصمت، من أجل رد الاعتبار للمعالم التاريخية، خاصة وأن هذا التحرك هو الأول من نوعه على مستوى ولاية سيدي بلعباس منذ سنة 1962، ويهدف لرد الاعتبار للقصور المنسية، التي تميز “باريس الصغيرة” عن بقية ولايات الوطن، داعيا للحفاظ على الطابع المعماري المميز والمتنوع. وأشار المتحدث إلى الصعوبة التي تجدها المصالح المعنية، خلال القيام بأشغال الترميم، بسبب انقراض بعض المهن والحرف اليدوية، ما أخّر انطلاق أشغال التهيئة، ودفع بمصالح البلدية للاستعانة بخبراء أجانب، للقيام بأشغال ترميم هذه القصور، حتى يتم الحفاظ على الطابع الهندسي والمعماري المتنوع لهذه المعالم التاريخية، التي تزيد من جمالية “باريس الصغيرة”. علما أن جميع المؤرخين يتفقون على أن مدينة سيدي بلعباس هي متحف معماري في الهواء الطلق، ومرجع لكبرى مدارس الهندسة المعمارية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!