سيناء والاحتمالات الصعبة
عندما يصرح مسؤول فرنسي كبير في أعقاب العملية العسكرية الأخيرة في رفح المصرية: بأن سيناء بحاجة إلى حماية دولية، وعندما تنقل الصحف الأمريكية تحليلات تفيد بأن البدو بالسلاح الليبي سيمنعون القوات المصرية من تنفيذ مهمات المطاردة للمسلحين، وعندما نعلم أن التحذيرات الإسرائيلية بضرورة مغادرة الإسرائيليين لسيناء وأن هناك استنفارا على الحدود منذ أسبوع، فإننا نقف على جزء مهم من حقيقة التكتيك الإسرائيلي.
وهنا لابد من الحديث الأكثر عمقا، أي المرتبط بمصير التوجهات السياسية والأمنية في المنطقة وأن نحاول فهم ما جرى في هذا الإطار حتى لو لم يكن المنفذون على معرفة بكل ما نقول.. من نافلة القول أن العقيدة الأمنية الأسرائيلية تقوم على عدة عناصر، أولها أن تكون المعركة على أرض الخصم، ثم أن تكون الضربة مفاجئة وعنيفة وصادمة، وأخيرا أن لا تستمر الحرب لفترة طويلة.. وإسرائيل وهي كيان عسكري لا تتعامل إلا في إطار الحسابات الأمنية ومن أجل الأمن تعمل وسعها على كل الأصعدة الأخرى.. ومن هنا فإن التحرك في دائرة الفعل تجاه إسرائيل ينبغي أن لايغفل الطبيعة العسكرية لهذا الكيان ولمتطلباته الأمنية.
في المقابل وضع عربي مترهل وعجز عربي على الصعيد الأمني بعد انكشاف المنطقة على انهيارات في العراق وليبيا واليمن والسودان وتونس.. وبعد الارتباك والنقاهة التي تمر بها مصر.. في كل البلدان العربية التي قامت فيها ثورات شعبية ماعدا مصر تم استهداف القوات المسلحة وذلك لتفتيت البلاد العربية إلى كيانات صغيرة عرقية أو طائفية.
في هذا الإطار نجا الجيش المصري من مؤامرة تدميره إذ أنه استطاع أن ينأى عن فتن داخلية تورطه في حروب مع الشعب المصري، كما هو حاصل في سوريا وكما حصل في ليبيا.. وتوفرت لمصر الآن قيادة سياسية غير مرتبطة بسياسات إسرائيل في المنطقة، بل هي قريبة جدا للمقاومة الفلسطينية لاسيما التي في غزة.. ومن هنا يبدأ الحديث مجددا عن دور الجيش المصري الذي شلّته اتفاقيات “كامب ديفد” وحددت مهماته وعدد جنوده في البلاد.. وبدأ من جديد الحديث عن تمدد الجيش المصري لكل الأرض المصرية.
تريد إسرائيل وهذا لا تخفيه وسائل إعلامها أن يتحطم الجيش المصري أو على الأقل أن يبتعد كثيرا عن الحدود مع إسرائيل، لاسيما وهي تواجه مخاطر حرب مع إيران وحزب الله وسوريا.. وفي هذا الإطار قامت بجهود جبارة لإرباك الساحة في سيناء من خلال شبكات الجواسيس وتجار المخدرات وعصابات القتل والتهريب التي لم تتوقف عن إرسال رسائل مفادها أن الدولة المصرية فاقدة السيطرة على سيناء.
لقد كتبنا وكتب غيرنا كثيرا، محذّرين من وبال سيحل بالمنطقة إذا لم تستدرك الجهات المصرية المعنية الأمر وتفرض الأمن في المنطقة.. إلا أن تأخر المصريين عن هذه المهمة الكبيرة والضرورية لايعني البتة إلا إعطاء فرص إضافية لإسرائيل لتنفذ مشروعها.
تريد إسرائيل أن يكون الجيش المصري خارج أرض العمليات، بأن يتم تحديد تواجده غربي قناة السوبس وأن تحتل القوات الدولية “الأمريكية والغربية” سيناء بحجة الحماية الدولية.. وتكون إسرائيل بما تفرضه من ضعوط على حلفائها الدوليين لكي يطالبوا بالحماية الدولية.
سيناء أمام احتمالات صعبة والرئاسة المصرية أمام تحد كبير.. ولكن يبدو أن القوات المسلحة المصرية هي من سيحسم الأمر بتوسيع انتشارها في سيناء، الأمر الذي سينهي مطامع إسرائيل في سيناء ومؤامرتها على الجيش المصري.