-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أثمرت مشاريع ناجحة في قطاعات متعددة

شباب مبتكرون.. أفكار واعدة تتحدى “تسونامي” الذكاء الاصطناعي

وهيبة سليماني
  • 1405
  • 0
شباب مبتكرون.. أفكار واعدة تتحدى “تسونامي” الذكاء الاصطناعي
أرشيف

يقول المفكر مالك بن نبي: “إن غنى المجتمع لا يقاس بكمية ما يملك من الأشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار”، فالحديث عن رهانات الارتقاء والتطور الاقتصادي والاجتماعي، يقودنا إلى التساؤل عن كيفية استغلال الأفكار لتحقيق مشاريع فعالة وقوية في ظل زمن محفوف بالابتكارات والتحولات الرقمية.. عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي من أكثر التقنيات التحويلية التي تغير طريقة العيش والعمل بشكل متسارع.

  • إن القفزات السريعة المحققة بالذكاء الاصطناعي، جعلت الحديث حول ثورة المجتمعات في جوانب كثيرة من الحياة، وقودها جيل رقمي لديه قابلية قوية لاحتواء التكنولوجيا ومستحدثاتها، فقد أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، أن الثقة التي وضعها في الشباب مكّنت من جعل الجزائر رائدة إفريقيًّا في خلق المؤسسات الناشئة، إلا أن ثمة سؤالا وهو: هل يرفع الذكاء الاصطناعي نسبة توظيف أفكار الشباب الجزائري وإدماجهم في عالم الشغل؟ هل يزيد ذلك من مهاراتهم الرقمية لبناء مستقبل مستدام، أم إن التحولات المذهلة لهذه التقنية قد تقف دون انتهاز الفرص الجديدة بنظرة ايجابية وبتنافسية أكثر كفاءة لنمو وظائف لا يمكن أن تستغني عن العنصر البشري؟
    وإذا كان الشاعر الجزائر الكبير محمد العيد آل خليفة قال يوما: “إن الشباب إذا سما بطموحه جعل النجوم مواطئ الأقدام”، فإن الابتكار كمشروع، ومن خلال تطوير الأفكار الجديدة وحل المشكلات بالذكاء الاصطناعي عند شباب بلد المليون ونصف المليون شهيد، هي أقل بكثير من إرادة تجعل النجوم مواطئ الأقدام.
    شباب نظر إلى المستقبل ليرى أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ستؤدي دورا هاما في حياة البشرية، على أمل أن التقدُّم المستمر في هذا المجال سيُفضي إلى تحولات جذرية في مجتمعه، ويساهم في سد الفجوة الرقمية، وفي التنمية المستدامة والاقتصاد الوطني، وذلك من خلال التركيز على تخصصات وحلول ترتبط بالذكاء الاصطناعي، وحل مشكلات لمساعدة بعض الفئات، ولتذليل عقبات أهمها تهديدات التقلبات المناخية.

الذكاء الاصطناعي يفجّر طاقات الطلبة

أصبحت الجامعات الجزائرية مؤخرا تفتخر، بمشاريع ابتكرها الطلبة باستعمال الذكاء الاصطناعي، فلم يقتصر الأمر فقط على طلبة الإعلام الآلي والروبوت الذكي، بل إن جميع التخصصات أصبح لديها مبدعون طلبة، خاضوا معركة التحول الرقمي.

وكشفت دار الذكاء الاصطناعي بجامعة الوادي، عن مشروع دمج الذكاء الاصطناعي في الأذرع الآلية من أجل لعبة الـtic-tac-toe الموجهة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والتأخر الذهني، وذلك باستعمال خوارزمية ونموذج الذكاء الاصطناعي.
وابتكر أحد الطلبة، في جامعة باب الزوار، برنامجا للتعرف على إشارة المرور، وبرمجيات التوقف خلال حركة المرور وذلك باستخدام الذكاء الاصطناعي، فيما أثمرت فكرة الطالبين فارس بلميهوب وعبد الرحمان عقيل، روبوتا مزودا بتقنية الذكاء الاصطناعي، يستفيد منه الفلاحين الذين يملكون بيوتا بلاستيكية لإنتاج الخضر والفواكه والنباتات، حيث يراقب ويتحكم في السقي ومعالجة الأمراض النباتية وإحصاء المحصول، من خلال بيانات قاعدية، ويمكن التحكم فيه عن بعد.
وقال نور الدين بالي، نائب مدير مكلف بالبيداغوجيا بجامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا، بباب الزوار، في تصريح لـ”الشروق”، إن أغلب الابتكارات التي حققها الطلبة بجامعة باب الزوار للعلوم والتكنولوجيا باستخدام الذكاء الاصطناعي، كانت وفق الاحتياجات الوطنية للاقتصاد، مثل طائرة “الدرون” الخاصة بإطفاء الحرائق والسقي والاستطلاع، وتصنيع وتسويق جهاز للتنبؤ بمخاطر البحر.
وأكد عضو دار الذكاء الاصطناعي بالعاصمة، الطالب أبو يوسف يوسف، مختص في الجغرافيا، وتهيئة الإقليم، لـ”الشروق”، أن مشروعه المتعلق بالحذاء الذكي، أو “النعل الذكي”، ينتظر التجسيد والعمل به في المجال الصيدلاني، موضحا أن هذا الابتكار يعمل على تخفيف الآلام لدى مرضى السكري، ويساعد على تدليك العمود الفقري في أثناء المشي لمسافة طويلة بهدف تخفيف الألم.
وقال المتحدث، إن الحاضنة كشفت عن العديد من المشاريع الشبابية التي تصبّ في مجال الذكاء الاصطناعي، وقال إن الطلبة يحتاجون إلى من يدعم مشاريعهم ماليا، إذ يملكون أفكارا يرغبون في أن تتجه نحو الطريق الصحيح، وأن تتجسد في الواقع لتحتضنها الشركات الاقتصادية الجزائرية.
واستطاع طلبة المدرسة الوطنية العليا للطاقات المتجددة بولاية باتنة، أن يطبقوا الذكاء الاصطناعي في مجال الطاقات المتجددة والتنمية المستدامة وهندسة الشبكات الصناعية، فقد أبدع 27 طالبا مثلوا أول دفعة تخرج لهذه السنة في تخصص هندسة الشبكات الصناعية والذكاء الاصطناعي، حلولا بواسطة تطبيق هذه التقنية للتحكم في الطاقة، وتوزيع المياه، والتحكم في لوحة الأضواء الثلاثية لتنظيم حركة المرور، وحلول أخرى تتعلق بالبيئة والتنمية المستدامة منها الفرز الانتقائي للنفايات.
وبين هؤلاء الطلبة، عصام عبد الرحيم وبوتليس بوطالب، ويتعلق مشروعهما بمذكرة تخرج خاصة بتطبيق الذكاء الاصطناعي للتحكم في توزيع الطاقة والمياه انطلاقا ويتيح المشروع، التحكم في تدفق الطاقة، وكذا تحديد المواقع التي يرتفع فيها استهلاك الطاقة الكهربائية، وتمكين هذا النموذج من التنبؤ بذروة الاستهلاك الذي يكون مطروحا صيفا.
ومن بين مشاريع تحدي الذكاء الاصطناعي لأغراض صناعية وطاقوية، ما ابتكرته طالبتان، لتجنيب وحدات صناعة الآجر وخزف السيراميك الخسائر الناجمة عن التشققات والانكسارات في المنتج، والهدف من الابتكار تفادي حدوث الانكسار بالقطع المعرضة لذلك في أولى مراحل الإنتاج المتمثلة في عجن المادة الأولية أي قبل استهلاك الطاقة وبلوغ المرحلة النهائية.
ومن جهتهما، قدم الطالبان بن قسوم أحمد راشد وبونعاس ياسين، مشروع تخرج باعتماد الذكاء الاصطناعي للتحكم في عمود الأضواء الثلاثية بمفترقات الطرق “سمارت كروس راود”، بحيث تشتغل الأضواء الثلاثية المنظمة لحركة المرور عن طريق أجهزة استشعار لعدد السيارات في كل اتجاه.
وابتكر طلبة آخرون لبرنامج ذكاء اصطناعي في المجال الفلاحي، من خلال إنشاء، وفق نظام 4.0 بإيصال الآلات الميكانيكية بشبكة الانترنت، غرفا لتفقيس بيض الدواجن، يتحكم فيها دون التدخل الآلي بتوفير الشروط الملائمة من حرارة وضوء ورطوبة وتهوية بشكل أوتوماتيكي.
وتمكن علي بوطاعة ابن ولاية سطيف، المتفوق الأول على رأس دفعة هندسة الشبكات والذكاء الاصطناعي، من فرض مكانته خلال تربصه بالشركة الأجنبية الألمانية “سيمنز” للهندسة الكهربائية، أين أظهره من قدرات وإمكانيات في كسب رهانات الذكاء الاصطناعي، بالتحكم في الآلات عبر الانترنت دون التدخل الآلي المباشر.
وأبدع بعض الشباب في استغلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لحل مشاكل من الواقع الجزائري، إذ فكرت الشابة سناء بن يوب، 22 سنة، من ولاية تلمسان، بعد تخرّجها من المدرسة العليا للأعمال، في مجال الخدمات الصحية، في استحداث تطبيق إلكتروني للمدمنين على التدخين والتبغ، الذين يتابعون العلاج في المراكز الخاصة بمكافحة هذه الظاهرة، وقد أكدت لـ”الشروق”، أنها ستستغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتطوير مشروعها المسمى “جي آل سيتي”، أول تطبيق للمتابعة الطبية وخدمة المعالجين من إدمان التدخين ومضغة التبغ.
من جهته، أفاد محمد زمال، وهو شاب من ولاية عنابة، أن مشروعه المتمثل في تطبيق إلكتروني “العمرة دي زاد”، الهدف منه التصدي لعمليات الاحتيال التي تطال بعض الجزائريين الذين يرغبون في زيارة البقاء المقدسة، وينتظر اعتماد تطبيقه بعد إبرام اتفاقية مع ديوان الحج والعمرة.
وأوضح زمال أن فكرة التطبيق، لم تأت من فراغ، فهي نتاج الاهتمام بمواكبة التحول الرقمي، والتصدي لبعض الاحتيالات التي قد يُستعمل فيها الذكاء الاصطناعي.
ومن بين الأفكار الشبابية المتوجهة لزيادة الثروة البحرية في الجزائر، مشروع للشقيقين أكرم وصبرينة أونيس، المسمى STRMATECH الذي يرصد الظروف الفيزيائية والكيمائية لأحواض السمك ويتحكّم فيها.
وقالت صبرينة أونيس، 26 سنة، المختصة في علوم البحر، لـ”الشروق”، إن الابتكار شراكة مع شقيقها أكرم، 21 سنة، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، وهو وسيلة تقنية متطوّرة لحل مشكل تربية أنواع الأسماك في أحواض وسط البحر، حيث تتغير الحموضة والملوحة وبعض الظروف البيئية الفيزيوكميائية من حين إلى آخر، ما يفيد بعض الصيادين والمستثمرين في الثروة السمكية، الذين يعانون من تراجع بعض الأنواع السمكية، وتهديد بعضها بالانقراض في الساحل الجزائري.
وأما الشاب إبراهيم صديقي، 39 سنة، من عنابة، فاخترع جهازا لرصد مراحل نمو الحيوان المرجاني ومراقبة تطوّره، وأطلق على مشروعه اسم “كورال تكنولوجي” لمراقبة الحوض المرجاني وباستعمال الذكاء الاصطناعي.

شباب يتجنّد لحرب المحتويات!
وفي ظل الحملة الشرسة والسرقات العلنية التي طالت الموروث الثقافي المادي وغير المادي الجزائري، من بعض الجهات الأجنبية، وحفاظا على الهوية الوطنية، ومواجهة خطابات التشويه والتضليل التي يستعين أصحابها بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتطور بسرعة فائقة، تجنَّد بعض الشباب الجزائري لمواجهة الجوانب السلبية للتحول الرقمي.
وقال الشاب عبد القادر بكاري، صانع محتوى تاريخي، لـ”الشروق”، إن تزايد التهديدات السيبيرانية التي تمس بالذاكرة وبهويتنا في الفضاء الافتراضي، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي ظل مخاوف التضليل باستعمال الذكاء الاصطناعي، يستلزم عليهم كصانعي محتوى، أن يواجهوا هذه التحديات.
ومن جانبه، أكد صانع المحتوى، هشام بن دحو، أن المسؤولية كبيرة بعد أن أصبح عضوا في منتدى شباب الذاكرة، فكل كلمة يحسب لها ألف حساب لتقديم صورة جميلة للخارج، والتفوق على أطراف تسعى إلى تزييف تاريخنا الوطني وتشويهه.
وأفاد محمد دومير، رئيس منتدى شباب الذاكرة الوطنية وصانع محتوى، “الشروق”، أن الذكاء الاصطناعي أدى دورًا بارزًا في التحولات الرقمية، إذ أصبح قادرًا على توليد محتوى بسرعة فائقة وتسهيل حياة صناع المحتوى، ومع ذلك، فإن بعض المنتجات التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي تفتقر، بحسبه، إلى اللمسة الإنسانية والإبداعية، وكأنك تتعامل مع آلة جامدة تخلو من العاطفة والروح.

ولا يمكننا، حسب الدكتور محمد دومير صانع المحتوى التاريخي، إنكار الفوائد الجمة التي جلبها الذكاء الاصطناعي، مثل تحسين تجربة المستخدم، وتحليل البيانات الضخمة، وتقديم محتوى مخصص يلبي احتياجات كل فرد، ولكن في المقابل، هناك مخاوف مشروعة من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى تراجع الإبداع والتفرُّد، وأن تصبح جميع المواد الإعلامية متشابهة وخالية من الأصالة.
وقال إن هذا يضعنا أمام تحدٍّ كبير يتمثل في كيفية استخدام هذه التقنية بحكمة ومسؤولية، بما يخدم صناعة الفارق في حياتنا كجزائريين على كافة الأصعدة.
وأوضح دومير، أن المشكلات والتحديات التي نواجهها اليوم تتطلب حلولًا مبتكرة وشاملة، إذ يجب علينا تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وتشجيعه على استهلاك المحتوى بشكل واعٍ ونقدي، والتحقق من مصادر المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها.

“هدرتنا”.. نموذج الذكاء التوليدي باللهجات الجزائرية
وتعدّ منصة “هدرتنا” أول نموذج للذكاء الاصطناعي التوليدي في الجزائر، شارك في تصميمها 10 مهندسين شباب في البرمجيات والإعلام الآلي، بينهم طلبة، وهي فكرة الباحث الشاب مروان دباح.
ويعتبر الذكاء الاصطناعي التوليدي تقنية التعلم العميق، وهو أحد فروع التعلم الآلي، قوةً رئيسية في الأبحاث والتطبيقات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، إذ صممت “hadretna”، كخوارزمية ترجمة عبر الإنترنت بمختلف اللهجات المحكية في الجزائر، والتي تعني “حديثنا”، وتهدف إلى المساهمة في الحفاظ على التنوع اللغوي والثقافي في البلاد، مع تعزيز تطوير الخدمات المتاحة للجزائريين.
وقال مروان دباح، في تصريح لـ”الشروق”، إن “هدرتنا” تعدّ رؤيا نحو إنشاء جسر لغوي بين اللهجات الجزائرية المحكية، وهدف نحو الشمول الرقمي لجميع الجزائريين.

وقالت المهندسة في البرمجيات، سعاد لوديني، وهي شابة في الثلاثين من العمر، إن منصة “هدرتنا” هي أول نموذج للذكاء الاصطناعي التوليدي في الجزائر، شارك فيه طلبة من المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، وأوضحت أن اللهجة العامية تفيد في فهم المعلومة التي يتلقاها الشخص المتحدث بها.
ونصحت لوديني، الشباب بألا يتركوا أفكارهم تذهب هدرا، لأن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يتيح لهم تطوير أفكارهم وتجسيدها.

شركات ناشئة تبلغ العالمية بالذكاء الاصطناعي
ويبدو أن الذكاء الاصطناعي، أصبح تحديا حقيقيا عند بعض الشباب الجزائري، وتقنية يستفاد من تطبيقاتها لخوض معركة الابتكارات وإنشاء شركات مصغَّرة تستحق أن تنافس أخرى أجنبية؛ فقد تمكنت الشركة الناشئة “فارم أي (FARM AI)” من نيل المرتبة الثانية عالميا في المسابقة العالمية المنظمة من طرف شركة “هواوي” الصينية، عرضها حلا مبتكرا لمشكلة مرض الصدأ في القمح عن طريق استعمال الذكاء الاصطناعي.

كما فازت الشركة الناشئة الجزائرية “Tarik Education Center” بالمرتبة الأولى في مسابقة بإحدى الدول العربية، اعترافا بمشروعها الذي يتعلق باستحداث منصة رقمية “طريق” لتعليم الذكاء الاصطناعي والبرمجة للأطفال.
ويرى الطالب الجزائري وليد هني، صاحب العشرين سنة، الذي شارك في برنامج للمواهب بروسيا برسم عرض جمع فيه بين تقنيات الحساب الذهني وتقنيات الذاكرة، أن الجزائر تملك طاقة شبابية هائلة، يمكنها النجاح في مجالات عدة.
وأكد هنّي لـ”الشروق”، أن الأجيال الجديدة لديها قابلية التعامل مع مجال التكنولوجيا، إلا أنها تحتاج إلى التجسيد والدعم اللوجستيكي، مشيدا بالدور الفعال لبعض الفضاءات الخاصة بالتجارب العلمية والتكنولوجية، وبعض النوادي الخاصة بالهواة، والشغوفين بالاختراعات والابتكارات، ويمكن من خلالها اكتشاف نوابغ يستفاد منهم في تحديات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتطورة.

خبراء: مستقبل الذكاء الاصطناعي بين أيدي الشباب
أكد الخبير في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، يونس قرار، لـ”الشروق”، أن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المتعلقة بالقطاعات المختلفة سوف تساعد الشباب والمؤسسات الناشئة في استغلال هذه الأدوات وتحسين خدمات القطاعات المختلفة سواء في الفلاحة أو الإعلام أو التربية وغيرها، موضحا أن استعمال الذكاء الاصطناعي لتطوير بعض المحتويات التي لها علاقة بجوانب مهمة في الحياة، خطوة إيجابية، يمكن من خلالها مساعدة هؤلاء الشباب في تطوير بعض التطبيقات المتعددة في مجالات مختلفة.

ويضيف قرار أن الذكاء الاصطناعي يؤدّي دورا مهما في مساعدة المؤسسات الناشئة في وسائل التطوير، فلا يحتاجون إلى أدوات متطورة، لأن الذكاء الاصطناعي هو الذي يقوم بالعمل، مما يقصّر الوقت والجهد، كما يساعد المؤسسات الصغيرة في تطوير بعض المنصات وإيجاد الحلول الذكية لكيفية عمل هذا الأخير في تطوير المحتويات ولتطوير واقع الانترنت من ناحية العقلية الاستهلاكية.
وقال قرار إن الشباب يمكنه أن يتأقلم ويطور البرامج، فعلى المؤسسات الجزائرية أن تثق في هؤلاء وتعرض عليه اشكالياتها، وكيف يساعد الذكاء الاصطناعي المؤسسات لحل هذه بعض المعضلات، مما يتيح المجال لبعض المؤسسات والشركات لإثبات كفاءتها، وتمكينها من عرض الحلول للبلدان الصديقة.
من جهته، يرى الأستاذ فؤاد لموشي، مدير منظومة الروبوت التعليمي، في تصريح لـ”الشروق”، أن التحول الرقمي لم يعد مجرد أداة للتعلم، بل أصبح حافزًا للإبداع والابتكار، إذ مكّن الشباب من تحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية تساهم في تطوير المجتمعات واقتصاد الدول.
والتحول الرقمي الذي يعتبر مصدر الذكاء الاصطناعي، فتح أمام الشباب، بحسبه، آفاقًا واسعة للتعلم، إذ خرج من بين جدران المؤسسات التعليمية والكتب إلى منصات رقمية متاحة للجميع، وأصبح التعلم مستمرًّا، وشخصيًّا، ومرتبطًا بواقع الحياة اليومية، مما أتاح للشباب اكتساب المعرفة وتطبيقها في الوقت نفسه من دون قيود زمانية أو مكانية.
وأصبحت ريادة الأعمال، وفق لموشي، أكثر سهولة وجاذبية للشباب الذين يسعون إلى تحويل أفكارهم إلى مشاريع ناجحة، فقد مكّنهم التحول الرقمي من استخدام مهاراتهم الرقمية لإنشاء مشاريعهم الخاصة وتقديم حلول تقنية مبتكرة، مما يعزز دورهم في الاقتصاد ويساهم في توفير فرص عمل جديدة كتعزيز التواصل والتسويق الرقمي والوصول إلى الأدوات الرقمية وتسهيل تطوير المشاريع ومن ثمة تمويلها وتوسيع نطاقها.

تجربة ميدانية: ألعاب الروبوت الطريقُ إلى الابتكار
أكد البروفسور محمد الأزهر بلقاسمي، مختص في علم النفس التربوي وأستاذ محاضر بجامعة برج بوعريريج، أن العالم يشهد اليوم تطوراتٍ تكنولوجية وتحولا رقميا سريعا في مختلف القطاعات ساهم بشكل كبير في خلق بيئة محفزة للشباب للتفكير في مشاريع مستقبلية مبتكرة تقوم على التكنولوجيات الرقمية، قائلا: “هذا ما لامسناه كأكاديميين وباحثين في مخرجات الجامعات الجزائرية عند الكثير من الشباب الذين ركّزت أبحاثهم ومذكراتهم على عنصر الرقمنة، مستغلين التطور التكنولوجي في دراساتهم، محاولين بذلك تجسيدها في إطار مؤسسات ناشئة طبقا للقرار الوزاري 12.75 ليتم ربطها بالعديد من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، والتي ساهمت بشكل كبير في التحول الرقمي واقتصاد المعرفة والخروج من نمط التفكير التقليدي إلى مواكبة التطور السريع لتكنولوجيا المعلومات أو ما يعرف اليوم بـ”الذكاء الاصطناعي” الذي أصبح تخصصا علميا يدرَّس في العديد من الجامعات الجزائرية ومطلب الكثير من الطلبة ليتصدر قائمة الرغبات في التوجيه الجامعي”.
وأفاد بلقاسمي بأن التكنولوجيا الحديثة، لم تقتصر على فئة الشباب فقط، بل استحوذت أيضا على عقول الأطفال الذين باتوا ينجذبون أكثر نحو الألعاب الإلكترونية على حساب الألعاب التقليدية، مستغلين بذلك الهواتف الذكية للآباء والتي فرضت نفسها اليوم في عالم الأطفال، لذا نجد -يضيف- بعض المؤسسات التعليمية مثل رياض الأطفال قد سارعت إلى إدخال بعض الألعاب الالكترونية كبرامج الروبوت التعليمي في أنشطتها التعليمية باعتبارها وسيلة لتنمية مهارات التفكير الإبداعي وبعض المهارات الاجتماعية الأخرى عند الأطفال.

وبحسب دراسة مقارنة حول الروضات الذكية، أجراها البروفسور بلقاسمي، ضمن فريق بحث بين الأطفال الذين يمارسون ألعاب الروبوت التعليمي والأطفال الذين يمارسون ألعابا تقليدية؛ جرى التوصل إلى أن هناك فرقا كبيرا في مستوى المهارات الاجتماعية والتفكير الإبداعي لصالح الأطفال الذين يمارسون ألعاب الروبوت التعليمي وهذا “يعطي قراءة مفادها أن البيئة التعليمية المدعمة بأدوات البرمجيات التعليمية والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وعلوم الكمبيوتر والروبوتات لها أبعاد إيجابية ومحفزة تشجع الأطفال على توليد الأفكار الابتكارية وتنمي لديهم بعض مهارات التّواصل وتبادل الأدوار واتخاذ القرار”.

خطواتٌ ثابتة نحو مستقبل الذكاء الاصطناعي
ونظرا للدور الذي أصبحت تلعبه المؤسسات الناشئة في الاقتصاديات المعاصرة، ولمواجهة المنافسة الدولية الحادة، عمدت الحكومة الجزائرية إلى توفير آليات الدعم، والتخطيط الجيد، وأولت أهمية لحاضنات الأعمال التكنولوجية التي تقوم بتقديم التسهيلات والمساعدات اللازمة لإنشاء المؤسسات ذات البُعد الخاص بالذكاء الاصطناعي، والقائمة على مبادرات التكنولوجيا الجديدة، لكي تصبح قادرة على الاستمرار والمنافسة في السوق المحلية والدولية.

وأكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وخلال مشاركته بالمؤتمر الدولي رفيع المستوى لحوكمة الذكاء الاصطناعي بمدينة شنغهاي الصينية، حرص الجزائر ورئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، على إقحام هذه التقنية في مختلف القطاعات.

ويعدّ المجلس العلمي الوطني للذكاء الاصطناعي بمثابة الهيئة الاستشارية العلمية، هدفها، وفق وزير التعليم العالي، اقتراح عناصر إستراتيجية متعددة القطاعات لتطوير الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إنشاء مؤسسات جامعية متخصصة، أهمها المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي.
واتضح من خلال تصريحات المتفوقين الأوائل في امتحان البكالوريا لهذه السنة، أنّ الذكاء الاصطناعي هيمن على خياراتهم، وهو مؤشرٌ إيجابي وقابلية واضحة لاقتحام عالم الابتكار والرقمنة.
وكشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عن تسجيل 46 ألف طالب للالتحاق بإحدى مدارس القطب الجامعي بسيدي أمحمد والتي تضم المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، وبين هؤلاء 12 ألف طالب سجَّلوا في الأمن السبيراني.

وقال البروفسور أحمد مير، رئيس لجنة اللجنة الوطنية لمتابعة الابتكار وحاضنات الأعمال بالجامعات، في تصريح سابق لـ” الشروق”، إن الجامعة الجزائرية، دُعمت بحاضنات أعمال وصل عددها إلى 108، منها حاضنة أعمال رقمية، بالإضافة إلى 102 مركز تطوير مقاولاتية و43 دارا للذكاء الاصطناعي، و86 مركزا للدعم التكنولوجي والابتكار، ويهدف ذلك إلى مرافقة الطالب لإنشاء شركات.
وأكد أنه جرى تسجيل 11 ألف فكرة مبتكرة في إطار انجاز مذكرة تخرّج مؤسسة ناشئة وبراءة اختراع لسنة 2023 و2024، ولغاية فيفري الماضي.

ومعلوم أن مصادقة رئاسة الجمهورية على الاستراتيجية الوطنية للتحوّل الرقمي في الجزائر 2025-2030، التي أعلنت عنها، الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود، تعتبر إحدى أهم آليات الاستثمار في ابتكارات الشباب المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

تحدياتٌ وفرص للاستثمار في أفكار الشباب
أكد الباحث مراد بوعاش، مسؤول البحث والتطوير في شركة”intel” بالسيليكون بكاليفورنيا الولايات المتحدة الأمريكية، لـ”الشروق”، أن هناك تهديدات محتملة للذكاء الاصطناعي ومستجدات تطبيقاته، لاسيما التي تستهدف العقائد واللغة وكل المقومات العربية والإسلامية، مشيرا إلى أن منصة الذكاء التوليدي العربي “نجوم”، بمثابة ثورة في العالم العربي، في الوقت الذي صار فيه البحث عن محتوى عربي يحدث بعقول جزائرية، توفر “نجوم”، محرّك بحث متقدمًا يركز على المحتوى العربي، ويستخدم تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، لتقديم تجربة استثنائية، تتميز بالدقة والموثوقية، يمكن من خلالها أيضا، صناعة محتويات عربية أكثر موثوقية.

وقال إن المسؤولية في التعامل مع تقنية الذكاء الاصطناعي عند الشباب، تبدأ من التعليم في المتوسطات والثانويات، وهذا لتجنُّب أجيال قادمة تكون مجرد مستهلكة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ويرى أن التحدي الأكبر، يتمثل في التصدي وبوعي عال للإيديولوجيات الأجنبية التي تستغل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تغيير المفاهيم والمساس بالهويات، وإثارة مخاوف الثورة المخادعة للتحول الرقمي السريع.
وأكد بوعاش، أن مخاوف التحول الرقمي السريع، تحتِّم علينا غرس ثقافة مسؤولية الذكاء الاصطناعي في الجزائر، كاشفا عن التحضير لهذا المشروع، قصد تنشئة الأجيال الصاعدة على كيفية مواجهة المخاوف والسلبيات التي يمكن آن تفرضها تطبيقات هذا الذكاء، وتطورها السريع مثل تطبيق” شات جي بي تي”، وذلك من خلال اكتساب مهارات جديدة وتحقيق كفاءات قوية بخطوات استباقية نحو التعلم والابتكار.

ويرى البروفسور بشير حليمي، المتخصص في التكنولوجيا الفائقة ومؤسس شركة “Alis technologies”، في تصريح لـ”الشروق”، أن الدمج المهني للذكاء الاصطناعي في التعليم يعطي القدرة على مواجهة أكبر التحديات في عصر التحول الرقمي، داعيا إلى الاستثمار في البيانات التحتية، “لأن الذكاء الاصطناعي استثمار حقيقي، يخصَّص له غلافٌ مالي، على أن تظهر أرباحه بمرور الوقت”.

وبحسب البروفسور عبد الله مقران، أستاذ الرياضيات بجامعة باريس 8، فإن الرياضيات لها علاقة بجميع الميادين، واليوم يجب البحث عن آليات وأساليب لتسهيل فهم الرياضيات وغرسها كثقافة في حضور ثورة التكنولوجيا وعالم الاختراعات والبرمجيات.

ولأن مجال الذكاء الاصطناعي والروبوت، سيضغط على الشركات في الجزائر من أجل التشغيل الآلي، فإنّ جمال بوشفرة، أستاذ بجامعة باريس، ومساهم في دراسات الذكاء الاصطناعي، يرى أن على المؤسسات الكبرى الجزائرية أن تسارع في تحضير بياناتها وبدقّة لتسهيل إدخال الذكاء الاصطناعي التوليدي في مشاريعها المستقبلية بهدف تقليص التكاليف وربح الوقت، ومواكبة التطور.

وفيما قال رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، محمد هشام قارة، لـ”الشروق”، إن على الكفاءات الجزائرية المتواجدة خارج الوطن، أن تبادر وتجتمع مع الباحثين المحليين، للتشاور حول كيفية وضع الذكاء الاصطناعي في متناول المؤسسات الاقتصادية، من خلال آليات تساعد في الاستفادة من أفكار الشباب ومشاريعهم، وتتيح للمؤسسات الناشئة والمصغرة تنظيم نفسها للمساهمة أكثر في تحسين الأداء الاقتصادي والاجتماعي والتنمية المستدامة.

ومن جهتها، أكدت البروفسور كوثر كورد، مكلفة بتسيير دار الذكاء الاصطناعي، لـ”الشروق”، أن الطلبة الحاملين للأفكار يحتاجون إلى الدعم المالي، لتجسيد مشاريعهم على أرض الواقع، على أن تحتضن أفكارَهم الشركاتُ الاقتصادية الجزائرية الفاعلة في الميدان.

ودعت إلى تقييم مجموعة الابتكارات والمشاريع التي ينجزها الطلبة باستخدام الذكاء الاصطناعي بمختلف الجامعات، وإلى ضرورة مرافقة الابتكارات الشبابية من أجل الاستفادة منها وتحويلها لخدمة الاقتصاد الوطني.

وقالت كورد إن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الجزائر يتطلب انفتاحا أكثر على التكنولوجيا للتعلم المستمر وتطوير المهارات، ويتطلب تفاعل المجتمع مع هذه التقنية للتقييم المستمر والمرونة لمواجهة التحديات والفرص التي يوفرها التقدم التكنولوجي، كما يتطلب بنية تحتية تكنولوجيا قوية كالشبكات السريعة والأجهزة المتطورة.

وأخيرا، يمكن القول إن الجزائر وضعت أهدافا قابلة للتحقيق ومعرفة متوازنة بإيجابيات لذكاء الاصطناعي وسلبياته، التي من خلالها يتسنى للشباب تجنب خيبات الأمل والتركيز على الاستفادة من الفرص المتاحة، والإمكانات الهائلة، فقد قال البروفسور بشير حليمي، إن أفكار الشباب الجزائري وابتكاراته، هي أحد تحديات الذكاء الاصطناعي، وإن المشاريع المصغرة قد لا تأتي بنتائج ملموسة حاليا ولكنها تعتبر لبنات قوية لنتائج عظيمة في السنوات القادمة. وإذا كنا نستخلص جرعة أمل قوية وتحديا من تجارب شباب ابتكروا حلولا لتحقيق رهانات الذكاء الاصطناعي، لا يمكننا أن نتجاهل أن العلم يتجه نحو دمج هذه التقنيات بشكل اكبر في الحياة، وإن التحديات القادمة تحتاج إلى إحداث تغييرات جذرية في مناهج التعليم، ومبادئ جديدة تتماشى مع الطفرات التكنولوجية الهائلة التي يشهدها العالم.. فهل تبقى أفكار الشباب الجزائري قادرة ومستمرة في تصميم حلول تواجه بها الجزائر التغييرات التكنولوجية المربكة عن الذكاء الاصطناعي؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!