شبان يخاطبون الناس بلغة السيوف والسواطير!
بعيدا عن الشهامة والمروءة، نجد لفظة الرجولة اليوم مرادفا لكل ما هو لا أخلاقي، ظلم وعنف، يحتضنها أشخاص في مقتبل العمر، يأخذونها شعارا للرجل القوي في زمن التكنولوجيا وجيل الأنترنيت، السيف وقارورات الغاز المسيلة للدموع والوشم والمخدرات وسائلهم وأسلحتهم لإثبات أنفسهم في المجتمع.
“الرجلة أداتها الحجلة”
منذ وقت ليس ببعيد، كانت الأسماء تسمى بمسمياتها، فمن ينصر المظلوم ويصون أعراض الناس ويحافظ على شرفه وشرف من حوله، فصفة الرجولة تتبعه أينما ذهب، فهو رجل المواقف الصعبة، تميزه بين جمع من الناس بحسن أخلاقه وسيرته، ولكن زمن الرجلة قد ولى، ومازال آباؤنا على لسان أجدادنا يعيدون صياغة سيرهم ومواقفهم إلى يومنا هذا، ومنهم عمي السعيد الذي التقيناه في أحد المقاهي بحسين داي، فذهب يرثي لنا حال جيل اليوم ويستحضر أيام الزمن الجميل في قوله “الرجلة أصبحت في خبر كان أيام النخوة والمروءة، أين كان حضور الرجل يكفي لفك نزاع ما”.. إلى ذلك تقول الحاجة أمينة التي صادفناها ونحن في طريقنا إلى “رويسو”: “أيام زمان كان الرجل سندا وعزوة في الشدائد وحصنا منيعا ضد تيار كل فتنة تأتيك من الخارج من قريب أو بعيد، حيث يدخل الأمان والطمأنينة إلى من حوله. لكن يا للأسف ذهبت “الرجلة” مع النهر وأصبحت مرادفا لكل ما هو عنف وظلم وجبروت، فالواحد منا لا يتصف بالرجولة إلا إذا غابت عنه الأخلاق.
الرجلة.. عنوان لكل سلوك عدواني
ولأن الرجلة اليوم أصبحت مجرد ادعاء من صاحبها وتمثيل لصفات غائبة عنه لا تبقى أمام الواقع المعيش، فإنه غالبا ما تتنامى هذه الادعاءات الرجولية بصفة متزايدة، خاصة إن وجدت وسطا عكرا وهشا في الأحياء الشعبية والمدارس، فيصبح صاحبها السند الذي يتكئ عليه بعض ضعاف النفوس، محاولا الاستقواء عليهم،غالبا ما توظف هذه الرجولة في جانبها السلبي ألا وهو العنف لمحاولة فرض المنطق ما قد يخلف أضرارا، وهو ما يؤكده كريم 40 سنة الذي التقيناه في رويسو: “الرجلة أصبحت كلمة تنم عن تشبه بعض شبابنا بالغرب، فأصبحوا كقطاع طرق يعملون على إرهاب الناس وذلك باستخدام مختلف الأسلحة البيضاء من أجل الحصول على غنائم ضحاياهم، كسرقة الهواتف النقالة والذهب والمال..”.
فانتشر إذا العنف تحت عنوان كلمة “الرجلة” كالبرق وسط الشباب الجزائري، فلا يدخرون جهدا في محاولة إظهار أنفسهم وذلك بالاعتداء على الأبرياء والصراخ في وجوههم، كل هذا يصدر من شباب لم يتعدوا العشرين سنة، لكن الأدهى من ذلك أن هذه الاعتداءات على الناس أو ممن يدعون الرجلة صفة لهم، تكون لأسباب واهية وفي هذا يحكي لنا سعيد 23 سنة من بومرداس قصة ابنة عمه التي كانت تزاول دراستها الجامعية، وما إن تقدم أحد لخطبتها ووافقت، حتى بدأت اللكمات والضربات تنهال عليها من أخيها لتضطر إلى إيقاف دراستها ولزوم المنزل رغم أن أباها وخطيبها سمحا لها بإكمالها، فبسبب عنف أخيها مدعيا الرجلة اضطرت في الأخير إلى الزواج بسرعة وترك كل شيء خلفها.
الوشم والمخدرات مرادفان لها
يلقبون أنفسهم بأسماء تنم عن الوحوش البشرية، فتجد وجوههم تغيب عنها البراءة، كثيرة الخدوش والضربات وآثار الخناجر والسكاكين، تزين أذرعهم وكل منطقة في أجسادهم مختلف أشكال الوشوم دون خجل أو حياء، بل وعلى العكس يتباهون بذلك لإبراز رجولتهم المزعومة، وفي هذا يقول محمد 35 سنة الذي التقيناه ونحن عائدون إلى حسين داي “تجدهم ملونين برسومات، تنم عن العنف والعظمة لكن هذه الرسومات لا لشيء إلا لإبراز رجولتهم التي هي في الأساس مفقودة”، يلبسون أحسن الثياب من مختلف الماركات العالمية، فأصبح هذا الجيل من الشباب لا يهمهم إلا إظهار أنفسهم في أحلى حلة حتى ولو اضطرهم الأمر إلى السرقة ونهب الضعفاء، وكثيرا ما ينحرفون إلى تجارة المخدرات، فينغمسون فيها ويجوبون الليالي وعائداتها أموال طائلة تذهب هنا وهناك كهدرها في الألعاب النارية التي تجعل ليلنا نهارا.