شبح الإغتيال طارد بومدين وهذا ما قاله في تأميم المحروقات
قال رئيس الحكومة الأسبق عبد السلام بلعيد، إن مسؤولي الدولة الجزائرية قد فكّروا بجديّة منذ بداية الاستقلال في ضرورة استكمال الاستقلال السياسي، بالتخلص من التبعية الاقتصادية لدولة الاحتلال، وخصوصا في مجال المحروقات، باعتباره أول مورد مالي للبلاد إلى اليوم. وفي الذكرى السادسة والأربعين لتأميم المحروقات المعلن من طرف الرئيس هواري بومدين في 24 فيفري 1971، يعود وزيره للطاقة بالذاكرة إلى الوراء، لاستحضار ظروف وملابسات ذلك الخيار الذي شكّل وقتها تحديّات كبرى، على أكثر من صعيد بالنسبة لدولة فتيّة، تعوزها الكثير من الإمكانات التقنية والعلميّة للمغامرة بقرار ثوري، يجعلها في مواجهة شركات فرنسية عملاقة تهيمن على حقول النفط والغاز في الجزائر، بموجب “غنيمة الحرب” التي كرستها “اتفاقيات إيفيان”.
وأوضح بهذا الصدد، عضو هيئة عبد الرحمان فارس التنفيذية، والتي ورثت بعد وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962 الحكومة الجزائرية المؤقتة، أنّ الرئيس أحمد بن بلة كلّفه بالتفاوض مع الفرنسيين فيما يتعلق بمراجعة بنود “اتفاقية ايفيان” المرتبطة باستغلال المحروقات، وتحديدًا وضعية شركات الإنتاج الفرنسية في بلادنا.
لم نثق في ديغول رغم موافقته على تسوية القضيّة
وأكد بلعيد عبد السلام، في مقابلة مع “الشروق”، أن الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول كان يظهر الاستعداد والموافقة المبدئية لتسوية القضية بصفة دبلوماسيّة، عن طريق المفاوضات، قبل أن يستدرك كلامه بالقول “كنّا ندرك تمامًا أنه يمارس لعبة المناورة السياسية لربح الوقت، ولهذا لم نثق فيه إطلاقا، لأننا موقنون أن الفرنسيين لن يتنازلوا عن شيء، بدون فرض الأمر الواقع، فهم لم يهضموا أصلا حقيقة استرجاع الجزائر لسيادتها الوطنية”.
ومع ذلك، يقول بلعيد فقد “ظلت قنوات التفاوض مفتوحة مع الطرف الفرنسي، للمطالبة بحق الجزائر في أخذ الأغلبية من حصة الإنتاج الذي تنفّذه الشركات الفرنسية، وكذا سيطرتها على سلطة القرار في مجالس الإدارة لتلك الشركات، بهدف توجيه سياساتها الاستثمارية والإنتاجية، لأنه من غير المقبول أن يتصرفوا في ثرواتنا وفق مصالحهم الخاصة”، على حدّ تعبيره.
وأردف وزير الطاقة الأسبق، أنّ وزير الخارجية وقتها عبد العزيز بوتفليقة قد تولّى المفاوضات الدبلوماسية بجدارة مع الطرف الفرنسي، وبقي لسنوات يتقابل مع كبار المسؤولين الفرنسيين لإنهاء الملف حتى نهاية الستينيات بعد وفاة الجنرال شارل ديغول، دون التوصل لأي نتيجة ايجابية أو تقدّم في هذا الخصوص”.
وأضاف “أبو الصناعة الجزائرية” بهذا الخصوص “طبعا نحن بدورنا لم نكن نعوّل كثيرا على تلك الاتصالات، فقد شرعنا منذ 1963 في الإعداد على كافة المستويات لأخذ قرار تأميم المحروقات، عبر التكوين العلمي للمهندسين والفنيين، وقد تجلّى ذلك في إنشاء معاهد بومرداس للبترول، وإرسال بعثات للولايات المتحدة وأمريكا واليابان، والأهم هو تأسيس شركة سوناطراك الوطنية لتعويض الشركات الفرنسية بشكل تدريجي”.
وبذلك ظلّ هذا التحضير ـ يقول بلعيد ـ يتراكم، حتى وصلنا إلى تهيئة الظروف الأولية اللازمة للانطلاق في عملية التأميم مع بداية السبعينات، تزامنا مع نهاية المفاوضات المباشرة مع الفرنسيين، إثر وصولها إلى محطة الانسداد التامّ، لأنّ الجزائر قد استفادت من التجربة الإيرانية في عهد رئيس الوزراء محمد مصدّق، الذي أعلن تأميم المحروقات ربيع 1951م، وبذلك تفادت مواجهة نفس الصعوبات التي اعترضت سبيل الإيرانيين، فيما يخص العلاقة بالشركاء الأجانب، والإمكانات التقنية والفنية في الميدان، لهذا أخذنا الوقت الكافي في عدة سنوات للتحضير لمرحلة الـتأميمات، مثلما يؤكد بلعيد عبد السلام.
بومدين جعل الـتأميمات قضية حياة.. أو موت
وبعد 46 عاما من دويّ القرار الوطني الذي هزّ العالم مطلع السبعينات، لا زال بلعيد عبد السلام يذكر كواليس الاجتماعات الحكومية التي تناولت الاستعداد لإعلان الخيار الجزائري، إذ كشف لـ”الشروق”، أن الرئيس الراحل هواري بومدين كان يعتبر الذهاب نحو التـأميمات قضية وجودية بالنسبة للجزائر، وله شخصيّا، حتى أنه قال في اجتماع لمجلس الحكومة قبل أشهر قليلة من حلول اليوم التاريخي (24/02) “إنّ الفصل في تأميم المحروقات هي مسألة حياة أو موت.. وقد وضعت حياتي رهنا لها”.
وأضاف المتحدث أنّ “الرئيس بومدين لعب كل الأوراق لإخضاع الفرنسيين لهذا المشروع، وستبقى ذاكراتي تحتفظ بمقولته في ذات الاجتماع الحكومي، على الفرنسيين أن يتقبلوا سيطرة الجزائر على إنتاج شركاتهم التي تشتغل في الجزائر، لأنّ الأمر يخصّ ثرواتنا الوطنية”.
وعلّق بلعيد على إصرار بومدين في تجسيد هذا الخيار المحفوف بالمخاطر بالقول “لقد كان الرئيس يدرك جيدا أن خيار تأميم المحروقات ليس مجرّد قرار يوقّعه بالحبر أو يعلنه أمام الجماهير في خطبة حماسيّة، بل هو تحدّ على أعلى مستوى من الخطورة والرهان، فقد وضع الرجل في حسبانه أن يتعرّض للتصفية والاغتيال في أي لحظة، لأنّ القضية تتعلق بمصالح مالية كبرى تتعلق بمئات ملايير الدولارات، بل هي بالنسبة للفرنسيين الكفة الراجحة في علاقتهم بالأمريكيين”.
وفسّر فكرته الأخيرة بكون فرنسا وقتها كانت ترى نفسها رهينة التبعية للأمريكيين في مجال التمويل النفطي، وأنّ الاحتفاظ بالهيمنة الطاقوية على الجزائر سيتيح لهم بشكل تدريجي فرصة التخلص من النفوذ الأمريكي، وعلى النقيض من ذلك، فإنّ خسارة الحقول البترولية في صحراء الجزائر سيرهن مصيرهم لعقود أخرى بيد منافسهم العالمي الولايات المتحدة الأمريكية.
يوم الإعلان حدّده بومدين بشكل سرّي وشخصي
ولهذا – يؤكد بلعيد عبد السلام – ظلّ موعد الإعلان عن قرار التأميمات محلّ سريّة تامة وتكتمّ شديد، حتى وإن تمّ تداول الخيار في الهيئات الرسمية للدولة الجزائرية، موضّحا “لا أعلم أنّ أحدا من كبار المسؤولين والوزراء كان مطلّعا على تاريخ الإعلان الذي صرّح به هواري بومدين يوم 24 فيفري 1971، لأنّ تحديد اليوم هو قرار فردي من الرئيس مباشرة، وشخصيّا اتصل بي هاتفيّا، وأنا ليلتها في طرابلس بليبيا، وقال لي بالفرنسية ( c’est pour demain)، ففهمت مباشرة أنه يقصد إعلان تأميم المحروقات”، ثمّ أردف لي “لقد حان وقت الكشف عن خيارنا الوطني باستعادة السيطرة على ثرواتنا وخيرات بلادنا”، ولا أستبعد أن يكون الأخ عبد العزيز بوتفليقة أيضا قد علم بالأمر، كونه معني بالملفّ الذي أشرف على جانب مهم منه يخص المفاوضات الدبلوماسية، مثلما يضيف بلعيد.
وعن مدى تأثير الخوف على الرئيس ومقرّبيه من دفع ضريبة المحروقات، ردّ المتحدّث بأنّ ردود الأفعال لم تترك أيّ أثر في نفوسنا، واستمرّ تعاملنا مع الفرنسيين بشكل عادي، فلم نتّخذ أي إجراءات أمنية زائدة عن المعهود، ولكن الفرنسيين انتقموا لخسارتهم من تأميم المحروقات بعد عشر سنوات، بتلفيق ما سمّي بفضيحتي “البازو” و”هالفيد” المزيفتين، لاستهداف الرموز البومدينية، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بقطاع الطاقة، وقد أصدروا أوامرهم بطرق شتّى، حتى وصلت إلى وزير الطاقة بلقاسم نابي (1979/1988)، والذي حرّك القضية المفبركة، وبذلك نفّذ الفرنسيون تهديدهم للأمريكيين بأيد جزائرية، عندما توعّدوهم بكسر مشروع تحويل الغاز الطبيعي من أرزيو.
وبالمناسبة، قال بلعيد “لا أظنّ أن الرئيس الشاذلي بن جديد رحمه الله على علاقة مباشرة بهذه القضية، ولكن لا يمكن تبرئته تماما من الناحية السياسية فهو رئيس الدولة”.

