شركة “كانكور” الكندية تعلق نشاطها بجنوب الجزائر
بدأت تداعيات الحرب التي أطلقتها فرنسا بمساعدة قوى غربية، في شمال مالي، تلقي بظلالها على المصالح العليا للجزائر، فبعد الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له القاعدة النفطية بتيڤنتورين في عين أمناس، وما خلفه من انعكاسات أمنية خاصة، جاء الدور هذه المرة على مصالح أخرى ذات طابع اقتصادي بأقصى جنوب البلاد.
فقد قررت الشركة الكندية “كانكور”، التي تنشط في مجال الاستكشاف عن المعادن الثمينة، بالقرب من منطقة الهقار بولاية تمنراست، تعليق كافة نشاطاتها الاستكشافية، بسبب ما اعتبرته التهديدات الأمنية التي تهدد فريقها العامل بالمنطقة، القريبة من المواجهات الدائرة بين الجيش المالي المدعوم بقوات فرنسية وإفريقية، والجماعات الإسلامية المسلحة الناشطة بالمنطقة.
وقالت الشركة الكندية، في بيان شرحت من خلاله قرارها المفاجئ: “نظرا للأحداث الاستثنائية التي تعيشها منطقة الساحل، وشمال مالي على وجه التحديد، تجد مؤسسة كانكور إي آن سي، نفسها مضطرة لتعليق نشاطها مؤقتا في الهقار الجزائري”، غير أنها التزمت بمواصلة نشاطاتها في أماكن أخرى، مثل منجم شمال التيرك.
وجاء قرار الشركة الكندية، التي تنشط في الجزائر منذ نحو عقدين من الزمن، بعد حوالي أربعين يوما عن الهجوم الإرهابي الذي تعرّضت له قاعدة تيڤنتورين النفطية، والذي استهدف رعايا غربيين يعملون بالمحطة، وكان من بين المطالب التي رفعها الإرهابيون يومها، إيقاف الهجوم الفرنسي على مواقع الجماعات الإسلامية التي كانت تسيطر على شمال مالي.
وإلى حد الساعة، لا يزال عمال الشركات الأجنبية المشتغلين بتيڤنتورين، لم يلتحقوا بمناصبهم، علما أن مسؤولي هذه الشركات كانوا قد أكدوا أن عودة العمال ستكون بعد ثلاثة أشهر، بعدما يكونون قد تجاوزا الصدمة التي تعرضوا لها بعد اختطافهم وترويعهم من قبل الإرهابيين، ووقوفهم على مشاهد دموية لم يكونوا قد عايشوا مثلها من قبل.
ويكشف هذا البيان عن حجم المتاعب الأمنية والاقتصادية التي سبّبها التدخل العسكري الفرنسي في مالي، وتكون الجزائر قد استشرفت وقوع مثل هذه التحدّيات، ولذلك عملت بكل ما أوتيت من قوة لسد الطريق أمام فرض الحل العسكري في أزمة مالي، وذلك بالسعي لتغليب المسلك التفاوضي، غير أن التحديات والرهانات الدولية، كانت أكبر بكثير من طاقتها.
غير أنه وبالمقابل، يكون قرار الانقلاب المفاجئ في الموقف الرسمي، والذي تجلّى من خلال الترخيص للطائرات الفرنسية باستعمال المجال الجوي الجزائري في الحرب الدائرة في شمال مالي، والذي قوبل باستهجان، قد طعن في مصداقية الجهود الجزائرية السابقة في لعب ورقة الحل السلمي، الأمر الذي جعل منها، وفق المنطق العسكري، طرفا في الحرب التي تشهدها منطقة الساحل، وهو أمر من شأنه أن يرشح الجزائر لأن تكون هدفا محتملا لاعتداءات إرهابية أخرى في المستقبل.
ويجزم المتتبعون على أن المستفيد الأول والأخير من التدخل العسكري في منطقة الساحل هو فرنسا، التي أعادت ترتيب أوراقها في مستعمراتها السابقة، التي كانت على وشك الضياع من أيديها لصالح قوى عالمية صاعدة، مثل الصين وتقليدية مثل الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بخسائر لا تقارن بما ستجنيه باريس استراتيجيا في ما هو قادم من أعوام.